من بين 3326 كلمة يقع فيها بيان الدورة الثانية والثلاثين لمجلس التعاون الذي انعقد بالرياض في 19 و20 كانون الأول (ديسمبر) الجاري خصص المجتمعون 283 كلمة للاقتصاد، أي ما نسبته 8% من النص، تاركين الباقي للسياسة وشؤون أخرى. وتناثرت مسائل اقتصادية عديدة أخرى هنا وهناك وسط النص السياسي، مثل تخصيص 5 مليارات لدعم الأردن والمغرب وقرار دمج الاقتصاد اليمني باقتصاد مجلس التعاون. وصدر بيان آخر في 253 كلمة لدراسة مقترح لتحويل المنظمة من هيئة للتعاون الاقتصادي إلى جسم يفكر بولوج الاتحاد. وتبقى النسبة لافتة للانتباه لأن المتوقع من اتحاد بني على أسس اقتصادية واستمر هكذا لما يزيد على ثلاثة عقود أن يواصل النهج.
ولكن بقمة الرياض جرى الانتقال من حال إلى حال، وأحس المجتمعون بأن التعاون الاقتصادي والنجاح الذي تحقق في عقود ثلاثة ماضية أصبح مهدداً بمتغيرات سياسية في الجوار. ولا بد للسياسة أن تأتي لتحمي الاقتصاد. ومن لا يتطور ينقرض.
بدأت مسيرة مجلس التعاون قبل ثلاثة عقود، مسبوقة بمحاولة فاشلة لإقامة اتحاد خليجي بين البحرين وقطر وإمارات سبع أخرى انضوت لاحقاً تحت كيان اتحاد الإمارات. كانت هناك خلافات قائمة، وإن كانت محدودة، تزيد من حدتها مخاوف متبادلة كثيرة. وما كانت بريطانيا وهي الدولة ذات النفوذ الأوسع بالخليج حتى سبعينيات القرن العشرين وعراب الاتحاد التساعي المنتظر شديدة الحرص على التوجهات الاتحادية.
بأية حال أفضت ذكريات نزاعات قديمة بين الدول الخليجية وتوجسات انتشرت بينها حول مطامع بعضها في بعض آخر وحول مناطق التماس الحدودي إلى التفتيش عن صيغة تعاون فضفاضة ومحدودة. وبتغير الأزمنة وبروز تهديدات إقليمية بعد انسحاب بريطانيا من الخليج في سبعينيات القرن العشرين ارتاح الخليجيون لصيغة بسيطة تركز على الاقتصاد وتستبعد السياسة وتضم ستة أعضاء بينها السعودية وعمان والكويت. وكان الأعضاء بحاجة لتأكيدات بأن الصراعات بين المكونات الخليجية قد انتهت، ونزاعات القرون وحروب القبائل قد تراجعت، وبات واجباً العيش حسب طبيعة العصر والنظر للمستقبل. فكان مجلس التعاون لدول الخليج العربية أداة لبث طمأنينة مطلوبة.
ومرت عقود ثلاثة ابتلي الخليج خلالها بحروب ثلاثة كلفت المجلس الكثير ولكنه حافظ على توازنه خلالها بل وتولد عن ديناميكية غير متوقعة، واقتصاد حيوي.
على أن دول المجلس ناءت ولعقود مديدة في القرن الماضي بحمل وزر علاقة تاريخية مع الغرب وانتقاداً لأنظمة الحكم الوراثي بدولها المكونة. فطيلة العقود الماضية وجدت دول الخليج نفسها متهمة بالتعاون مع الأجنبي ومعاداة الديمقراطية، من قبل حركة تحرير وتغيير عربية امتدت من أربعينيات القرن الماضي وحتى السبعينيات منه. بدت دول الخليج حينها وكأنها ضد حركة التغيير، وبمواجهة طبيعة الأشياء وسيرورتها.
ثم تزلزت الأرض زلزالها، وأحرق البوعزيزي نفسه وكان ربيعاً عربياً. وبرزت كتلة خليجية وجدت نفسها لأول مرة بجانب الديمقراطية والحرية والتقدم، ولكنها استندت أيضاً لاقتصاد متين مزدهر. ووجدت جماهير عربية في فضائيات الخليج سلاحاً فاعلاً ماضياً وحاميا موثوقاً.
انعكست الآية، ووجدت الكتلة الخليجية نفسها في عربة قيادة الديمقراطية في العالم العربي. وأصبحت هي الكتلة الكبرى المحركة في الجامعة العربية لروح العصر في التحرر والتقدم والديمقراطية. هذا بالطبع دون نسيان احتياج دول الخليج نفسها للتغيير.
وسبق كل ذلك وترافق معه نجاحات اقتصادية وتوسع في سوق داخلية سائرة نحو التوحد والنمو ولها مكانة عالمية ضمن مجموعة الأسواق الناشئة. وعادت القمة الأخيرة لالتقاط خيط الاقتصاد ولتؤكد جوانب أهمها العمل لتحقيق تكامل اقتصادي لدول المجلس وإنجاز الاتحاد الجمركي والوحدة النقدية والسوق المشتركة لدول المجلس.
وإذ لحظ المجلس الأعلى نمو اقتصادات دوله رغم أزمات الاقتصاد العالمي أكد حرصه على تعزيز إنتاجية هـذه الاقتصادات وبما يزيد الوظائف للمواطنين. واعتمد المجلس قواعد موحــدة لإدراج الأوراق المالــية بأسواق دول المجلس والعمل بها سنتين بصفة استرشادية قبل الإلزام بها. واعتمد أنظمة مصادر المياه السطحية والجوفية والتحلية والصرف الصحي المعالجة وإعادة استخدامها والعمل بها سنتين استرشاديا لتحويلها لقوانين. وأقر المجتمعون تعرفة جمركية موحدة لدول المجلس والعمل بها. واطلع المجلس على سير السوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي وسكة حديد دول المجلس.
وختم المجلس بدعم تنمية اليمن ، وتعزيز أطر التعاون معها واندماج الاقتصاد اليمني بالاقتصاد الخليجي.
ورغم أهمية تلك النواحي إلا أن حجمها ظل محدوداً مع اهتمامات المجلس الكثيرة بالسياسة، وهو اهتمام انعكس بشكل خاص على دعوة العاهل السعودي لدراسة اقتراح التفكير بالانتقال من صيغة التعاون إلى الاتحاد. وضع خطة عملية لدراسة الموضوع والخروج باستنتاجات حوله. وبنحو محدد طلب من كل دولة تسمية ثلاثة ممثلين عنها بحلول شباط (فبراير) 2012 لتقديم تقرير أولي في آذار (مارس) 2012 للمجلس الوزاري في دورته الأولى لعام 2012 لرفعها تالياً لقادة المجلس.
وهكذا استبعدت السياسة من أبواب فعادت ليس فقط من نوافذ بل ومن أبواب أيضاً. وهكذا يستدير المجلس 180 درجة لمخاطبة شؤون لم يعد من الممكن تجاهلها وليضع الهم الاقتصادي في مكانه الصحيح وحجمه المناسب. ويواصل المجلس سيره حريصاً على التوصل إليها بالإجماع بين دوله الست، مع حفظ حق مطلق للأعضاء بالاختلاف واتخاذ ما يناسبهم من قرارات قد لا تتفق مع رؤاهم ومصالحهم.
وأصعب الأمور في الأشياء هو البداية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق