الاثنين، 16 يناير 2012

تصنيع الخليج: الخيار الوحيد والمكلف

يوجز الأمين العام الأسبق لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية بدولة قطر عبدالرحمن الجعفري في كتاب أصدره العام الماضي المعضل الذي يواجهه صانع القرار بإحدى دول مجلس التعاون أو المجلس مجتمعاً لرسم أو تنفيذ خطة صناعية فيقول ما معناه:

«رغم ما جلبه النفط من خير وفير وثروة كبيرة، نقل هذه الدول من فقر إلى غنى إلا أن الثروة جلبت معها تغيرات اجتماعية واقتصادية، ربما لم يحدث مثلها في بلدان أخرى؛ فقد تطلب البناء الحضاري في مجالات الحياة كافة، استقطاب موارد بشرية كبيرة، من شعوب وحضارات مختلفة، تجاوزت في بعض بلدان  أعداد السكان الأصليين؛ ومع الوقت، بدأ هؤلاء السكان يعتمدون - بشكل شبه كامل – على عمالة وافدة لتدبير شؤون حياتهم. وعلى الجانب الاقتصادي، أصبحت دول الخليج تعتمد بشكل رئيس على موارد هايدروكربون ناضبة، لا تملك دول المنطقة التحكم بأسعارها والطلب عليها.»

ووسط ذلك يتجه الخليج لتشكيل سوق موحدة قوامها نحو 40 مليون شخص، يبلغ متوسط دخل الفرد فيها نحو 25 ألف دولار. وهذه كتلة طلب لايمكن تجاهلها من أي شركة ولا أي بلد يشارك في التجارة الدولية. وبرزت ظاهرة تاريخية ميزت جزيرة العرب لقرون سبقت الإسلام وتلته. فلقد دأب سكان الجزيرة تحت ضغط الجفاف والمجاعات على هجرة من مركز الجزيرة للأطراف ومن الأطراف نحو بلاد أخرى. مع بروز النفط ودخول اقتصادات الخليج للحداثة والتطوير بدأت هجرة معاكسة مكثفة وغير مسبوقة من بلاد أخرى نحو الجزيرة أطرافاً ومركزاً.

وسرعان ما اكتشفت دول الخليج أن إنتاج النفط وبيعه ليس كافياً لاقتصاد حديث، وأن عليها أن تفكر جدياً بالتنويع والتصنيع. ويرتبط التصنيع بشكل خاص بالبحث العلمي استجابة لريادية المنتج وجودته وبالتالي تنافسيته. وأذكر بهذا الصدد أنني سألت لبنانياً عن أسباب تدهور زراعة لبنان وهي تتمتع بطقس مناسب ومياه وافرة وتربة مواتية فقال بأن دولاً أميركية لاتينية مثلاً باتت، بفضل تقدمها العلمي تصدر للبنان الحبوب والبقول لأنها في وضع تنافسي أفضل. وبات شراء تلك المواد من الخارج أفضل بكثير من زراعتها محلياً. ومقارنة بتركيا التي حافظت على زراعتها وباتت قادرة على المنافسة الدولية، تدهورت زراعة الحبوب والبقول في لبنان وفشل منتجوها في المحافظة على حصتهم بالسوق، بما فيها السوق المحلية.

كل شيء يعتمد على العلوم وبالذات بعصرنا الراهن. لم تعد الصناعة لوحدها هي ما يتطلب ذلك. ونظرة خاطفة على منتجات نقتنيها يومياً في حياتنا، كانت وإلى ما قبل عقدين أو ثلاثة غير موجودة على سلم مشتروات الفرد منا. كم نصرف على أنظمة الحاسوب وبرامج مرتبطة تنتجها مايكروسوفت أو أوراكل مثلاً؟ وكم مشتر بالعالم لأجهزة الأبل حواسيب أو هواتف؟ وكم ننفق على الهواتف النقالة؟ وما هي كلف شراء كاميرات رقمية؟ والقائمة تطول وتمتد لتشمل تقنيات زراعة من غير تربة مثلاً، والسقي المبرمج للمساحات الزراعية. وغالببة هذه السلع لم تكن موجودة قبل عام 1980، وهي أساساً من نتاج البحث العلمي.

اتسم الخليج وإلى فترة قريبة بسمة كانت ولا تزال مرافقة للمجتمعات العربية الإٍسلامية وهي تفضيل تلك المجتمعات شراء منتجات العلم، بدل الإنخراط بجهد إنساني للبحث العلمي في الإنتاج.

يورد الجعفري أن نسبة الإنفاق من الدخل القومي في الدول العربية قد بلغت 0.97% و0.94% و0.76% و0.1% للسنوات 1980 و1985 و1990 و2007. ولنفس السنين أنفقت الولايات المتحدة 2.27% و2.72% و2.62% و2.7%. وأنفقت دول آسيا باستثناء الدول العربية الآسيوية 1.41% و1.80% و2.8% و1.6%. وفي عام 2009 زادت أميركا الإنفاق على البحث العلمي إلى 2.7%. وأنفقت دول غير عربية بآسيا 1.6% مقارنة بـ 0.1%. ويشير هذا الإنفاق إلى استمرار محدودية الإستثمار الاجتماعي على البحث والتطوير في البلاد العربية وبينها دول الخليج.

لا يخفي هذا الجهد بالطبع أحياناً اهتماما بالبحث والتطوير في بقع منعزلة كمثل مجهودات سابك السعودية أو شراء السعودية لشركة جنرال إليكتريك واشتمل الشراء على ثلاثة مراكز تابعة للشركة ومختصة بالتطوير أو اهتمام أبوظبي بالبحث العلمي المتعلق بالطاقة البديلة أو مركز السلطان قابوس للبحث الزراعي في جامعة الخليج. ولكن الاهتمام لا يزال محدوداً، ولا تزال تلك جهوداً حكومية، وسط عدم اهتمام من القطاع الخاص. لا يزال رجال الأعمال في الخليج يعتقدون بأن في ذلك الإنفاق زيادة غير مبررة على كلفهم وإن مثل هذه المبالغ تشكل جزءاً مما يجب أن تتحمله الحكومة.

ووسط كل ذلك يشار إلى أنه يتوجب على الاستثمار الخليجي في البحث والتطوير أن يجد حلولا لما يتطلبه اقتصاد الخليج وأمنه.

وبالعودة لحديث الجعفري في بداية العمود فإن التناقض الذي يقع فيه الخليجيون حين التفكير بأمر النمو الاقتصادي، وتوسيع الصناعة، ومد شؤون التجارة يرتبط بعامل ازدياد متنام  لطلب على يد عاملة لا تتوافر محلياً، فيضطرون للتوجه للخارج طلباً لليد العاملة.

وهذا يحدد المشكلة التي ينبغي للبحث العلمي أن يضعها على رأس جدول أعماله بحثاً عن حلول.

وباختصار فإن المبدأ الأساس المتوجب أن ينشده باحثو الخليج هو كيف تكون المصانع والمؤسسات المَنْوي استحداثها  قليلة الاستخدام لليد العاملة ما أمكن، وأن تنشّط الأتمتة إلى أقصاها وأن تستبدل ثقافة البذخ المؤدية للاعتماد على أجانب والركون إلى نصائح وأدوات مراكز البحث الخليجية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق