فُعّل مؤخراً قرار الملك عبدالله بن عبدالعزيز بمنع عمل رجال في محلات بيع الألبسة الداخلية للنساء في المملكة. وقدرت إميلي بيوكنان في البي بي سي أن ذلك سيوفر 40 ألف فرصة عمل لنساء سعوديات لسن بسوق العمل، ويحتجن لمصدر دخل أو زيادته إن كن عاملات. ويساعد الأمر أن الوظائف لا تتطلب بالضرورة خبرات باهرة أو مستويات تعليم عالية.
لا أدري إن كانت فرص العمل المتاحة ستجد العرض الكافي، ولكن الفكرة تستحق التجربة وأن تفكر دول خليجية أخرى بخطوات مشابهة. فهذه مسألة تستجيب لأهداف عدة. استجاب التفعيل بالأساس لحملة شنتها سعوديات على منتديات تواصل اجتماعي مطالبات بتخليصهن من حرج اجتماعي يصادفنه حين التبضع في محلات الملابس الداخلية، فيلجأن للتسوق خارج البلد. ولكن هذه وظائف، إن أظهرت النساء السعوديات أولاً والخليجيات ثانياً الاستعداد، تستجيب لقدراتهن من نواح عدة، وتغرف من خزان كنز استراتيجي خليجي لم يُستفد منه إلا قليلاً وهو طاقة النساء.
وبدل أن تبرز أسماء نساء كعاطلات على قوائم المعونة الاجتماعية ستظهر في جداول حاصلات على عمل، ويتثبت بعض أمن اجتماعي في قطاع مفتوح على آخره للعمالة الأجنبية دون ضوابط كافية ولا محاولات مبدعة لحل مشاكل ناتجة. وحيث تتوسع سوق دول مجلس التعاون، وتجهد حكوماتها لمزيد من خطوات تحرير الأسواق، وتعمل ليل نهار لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتبني مقاييس دولية شفافة في استقدام العمالة الأجنبية، فإن ملايين العمال الأجانب ستزيد بالضرورة.
ولطالما سكتت خليجيات على مضض ومرارة لأن دولهن فتحت الباب على مصراعيه وبتأثير العولمة لاستقدام عاملين من الخارج، دون إعداد مواطنيها، رجالاً ونساء للتنافس على الوظائف عبر تقديم مهارات أفضل وكلف أقل. وهاهو الباب ينفتح على طلب دون شروط كثيرة، ولا خبرات كبيرة مسبقة، وبقي استعداد النساء للتجربة، وكسر تقليد مريح بالبقاء على جدول المعونات الاجتماعية. ولربما وفرت وزارات العمل الخليجية تدريباً سريعاً لتملك مهارات مسؤولات البيع، ولتبديد قلق أرباب أعمال من تراجع مبيعاتهم بتوظيف نساء. وسيتوجب على النساء مطالبة الجهات المعنية بذلك بأية حال.
حتى الآن أظهرت الخليجيات كفاءة في الدخول في سلك التعليم والتمريض كما الحال في البحرين والسعودية. ولكن ليست كل فرص العمل تقع في هذا المجال. وعلى النساء أن يفتشن عن كل إمكانية، بل ومساعدة جهود التوطين في مختلف دول الخليج بالاستعداد الذاتي والانخراط في سوق العمل وزيادة الكفاءة، وتغيير ثقافة العمل.
على رغم ملايين فرص العمل التي تقدمها دول الخليج للأجانب ومليارات الدولارات التي تحولها تلك العمالة إلى الخارج فإن هناك بطالة حقيقية ومقنعة، وخاصة وسط النساء، في بعض تلك البلدان. وعلى سبيل المثال فقد بلغت تحويلات الأجانب من السعودية 26.2 مليار دولار بنهاية عام 2010 بنسبة ارتفاع بلغت 2% عن تحويلات 2009. وهذا الرقم يقيم بلداً ويقعدها، فما بالك إن أخذت إحصائيات على مستوى الخليج. وتشير تقديرات لوصول العمالة الأجنبية بالسعودية لوحدها إلى 7 مليون عامل. ولا تختلف دول الخليج الأخرى عن ذلك.
وبذلك يرتفع سؤال محير عن أسباب وجود بطالة في الخليج بدول لديها من دخول النفط ما لديها، وتوفر الفرص لملايين البشر وتعجز عن تشغيل بعض مواطنيها. ولا يصعب فهم الجواب حين القبول بأوليات المبادئ الاقتصادية وهو أن العامل الأجنبي ليس فقط هو أرخص من المحلي وإنما أكفأ. ولا يمكن حل بعض جوانب هذا المعضل إلا بتوفير حزمة حلول تتشارك مكوناتها لإحداث التغيير. وأول تلك الحلول تتمثل في وعي الخليجيين (والخليجيات على نحو التحديد) أن سوق الخليج تتجه نحو العولمة قليلاً فقليلا، وتشيع بها مقاييس دولية تنافسية للحصول على الفرص. وسيقل مع الوقت حدود تدخل الدولة لمساعدة المواطنين وسيتوجب إشاعة ثقافة الاعتماد على النفس، والبحث الذاتي عن فرص العمل والتجاوب مع شروط يضعها السوق، واتباع مبدأ «لا وظيفة صغيرة تحتقر ولا كبيرة تستصعب».
ولقد أدرك سواقون أجانب، كمثال، مدى حاجة عائلات تستقدمهم لتوصيل أفرادها، فباتوا يضعون مقاييس ذاتية لما يقومون به وما لا يقومون يومياً به أثناء عملهم. وأصبحوا يعملون ساعات قليلة ويفرضون شروطهم وما سيقومون به فيقتصرون على توصيلات «رسمية» فقط كأخذ الأولاد للمدارس، وما بين ذلك لا يعمل السائق. ومع ذلك يحصل على مرتب عال. وتزداد وطأة ذلك حين تمنع النساء من السياقة، فيضحين كمعاقات. وسيؤدي السماح لهن بذلك الحصول على استقلالية، وتحقيق كفاءة خدمة أفضل وتوفير الإنفاق. وتستجيب مثل تلك النتائج مع مقاييس أية سوق معولمة، والمطلوب أن تتدخل الدولة هنا لإلغاء تدخل سابق لها وغير منطقي بمنع سياقة النساء.
لقد أحدث التعليم المنتشر في مناطق الخليج، وبالذات تعليم النساء، أثراً كبيراً في العقود الماضية، وأوجد قوة عمل بأوساط النساء تنتظر من يلقي بها في معمعان سوق العمل. ويتطلب إحداث النقلة فك القيود القائمة عليها، وتدريبها على ضوء الفرص المتاحة عملياً، وإعادة النظر باستمرار في مخرجات المؤسسات التعليمية والجامعية منها بالذات، لضمان تلبيتها لحاجات القطاعين الحكومي والخاص من أعمال.
لقد أظهرت بنات الخليج تفوقاً هائلاً في التعليم، وبقي عليهن أن يقطعن بقية الطريق في تأهيل أنفسهن للعمل في السوق الواقعي، وكل خطوة للإمام تفيد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق