أصدر مركز جامعة جورجتاون للدراسات الدولية والإقليمية بقطر دراسة لزهراء بابر مديرة المشاريع بالمركز، حول حرية التنقل في مجلس التعاون، والسياسات المطبقة لممارسة ذلك الحق.
تقول الباحثة أن أحد أهداف مبكرة وضعها مجلس التعاون للإنجاز هو ثبيت حق التنقل الحر لمواطني دول المجلس للوصول لتكامل اقتصادي تام. وواجهت دول المجلس في سعيها هذا معضلة مرتبطة بحقوق الإنسان وحرية تنقله كركيزة حقوقية أساس: فإذ دعمت بالإطلاق حرية كاملة للتنقل للمواطنين فإنها حدت بشدة من تلك الحرية لسكان مقيمين بها بأعداد طاغية وليسوا مواطنين.
ويستقيم الجدل بخصوص تحرير حركة الناس عبر الحدود على أسس اقتصادية وأخلاقية. وترتكز الأسباب الاقتصادية على الحاجة لفسح حرية التنقل للعمال وللرأسمال في إقليم ما لتحسين ناتجه الإقليم الاقتصادي. وترتكز المبادئ الأخلاقية على مفاهيم معيارية للعدالة الاجتماعية.
وتتوازى سياسات منح امتياز المواطنة الإقليمية لمجموع سكان دول الخليج جنباً إلى جنب مع خطط تحد بقوة من منح الحق لمواطني دول أخرى مقيمين بالخليج للعمل. وتوجد سياسات مشابهة لخطط مجلس التعاون بتجمعات إقليمية أخرى كالسوق الأوروبية المشتركة.
وتورد الباحثة نموذج قطر للتعرف على مدى استفادة الخليجيين من حقهم في الإقامة والتنقل الحر في دول المجلس. حيث يقيم بقطر 77 كويتياً و633 بحرينياً 4051 عمانياً و775 سعودياً و263 إماراتياً.
ولطالما حاول دعاة تبني مبدأ الحدود الحرة، والذين ينادون بفتح الحدود أمام الجميع، تطبيق معاييرهم على مناطق ذات مداخيل عالية وتُحكَم ديمقراطياً وهي أقاليم نامية اقتصادياً أيضا. وحين تطبيق تلك المعايير على مجلس التعاون ترى بابر بأن دوله ليست ديمقراطية أو ليبرالية في بنيتها السياسة والاجتماعية. على أن الخليج بات يشهد بداخله بروز عواصم تتحول بسرعة مدفوعة بتأثيرات العولمة وتجذب كثيراً من المقيمين وتعمل كمراكز دولية للنشاط الاقتصادي وخلق الثروة. وبينما لا تقبل أية دولة خليجية أن يكون هدف الوافدين عليها الهجرة دائمة، فإنها تجتذب مستويات عليا من أعداد قوة عمل أجنبية مؤقتة مرتبطة باقتصاديات تلك الدول المزدهرة. ويشكل الأجانب 41% من سكان دول الخليج مجتمعة.
ولكن بابر تجد برأيها أسباباً تقف خلف مسألة منح العمالة الوافدة حقوقاً مشابهة لحقوق المواطنين في التنقل الحر. وأهم تلك الأسباب هو مخاطر ضياع الهوية الخليجية أو السبب الحضاري. وتورد الباحثة مثلا لهذا القلق هو محاولة فاشلة لأستراليا لاقتصار سكانها على البيض فقط وإيجاد قوانين تحد من تدفق مهاجرين غير مرغوب به. على أن هذا المثل بالذات يختلف عن وضع الخليج وعن سياسة قادة مجلس التعاون إزاء العمالة الوافدة. أولها إن المقارنة بين سكان الخليج الأصليين وسكان أستراليا من البيض يظهر اختلافا جوهرياً. فالبيض ليسوا بسكان أستراليا الأصليين، وسكان الجزيرة-القارة يعيشون في أوضاع تختلف عن البيض من نواحٍ وليس هذا موقع بحثها. أما الخليج يقطنه سكانٌ أصليون تواتروا على سكنى جزيرة العرب منذ آلاف السنين وتحملوا شظف العيش بها قبل تفجر البترول.
الأمر الآخر هو أن دول الخليج، بغالبيتها الساحقة، لم تسيطر على دول أو شعوب أخرى. وبالتالي ليست هناك من علاقات سيطرة قديمة أو حالية أثرت أو قد تؤثر على هجرة السكان من بلدانهم الأصل إلى بلدان الدول المسيطرة. لا يوجد مثل هذا التاريخ من العلاقة التي يمكن تشبيهها بتواجد نشأ عن حضور إمبريالي. وما يدفع العامل الأجنبي للخليج هو مصلحة مباشرة ورغبته في تحسين وضعه المعيشي. وهو ينتقل للخليج بكامل رضاه وحينما يصل لبلد عضو في التعاون تبرز لديه الرغبة في استمرار العيش به وحتى التوطن. ليس هناك أي ضغط عليه للتوجه للخليج وإن كان من ضغط فهو الوضع الصعب الذي يعيشه هو وعائلته الأصل مما يجعل مغادرة بلده وفراق عائلته الوسيلة الوحيدة لترقية أوضاعه وأوضاع تلك العائلة. وبدل أن تُبحث أوضاع دول يغادرها آلاف العمال متجهين للخليج يجري التركيز على مجلس التعاون.
ولا يدخل على الخط هنا أي مبدأ أخلاقي يتعلق بمحاولة الخليجيين التكفير عن سيطرة استعمارية كما الحال مع دول أوروبية سيطرت على شعوب واستخدمت عمالة دول تابعة.
ولربما يتوجب النظر للأمر على أنه رغم وضع اقتصادي جيد وحقوق طبيعية يتمتع بها الخليجيون في بلادهم إلا أن ما يتهددهم في حقيقة الأمر يتمثل في مفارقة أساس يعيشونها بين جهد يواصل ازدهارهم الاقتصادي ويجذب عمالة أجنبية متزايدة وخسارتهم لهوية بلادهم. أنهم يرون أوطانهم تنزلق يومياً نحو تشكل سكاني جديد، يكاد أن يحيلهم فيه إلى أقلية. وعلى رغم فوائد اقتصادية يحققها سكان خليجيون عديدون باستيرادهم يد عاملة أجنبية، إلا أن ذلك لا يخفي مسألة أن القادمين يتنافسون وخليجيين على فرصٍ ووظائف يتقدم إليها القادمين بمرتبات أقل كثيراً مما يتوقع الخليجي الحصول عليه ويحتاجه.
العمالة الأجنبية تأتي أساساً للخليج بمحض إرادتها، وإن تم استغلال حاجتها من قبل مكاتب استيراد عمل فهذا يتم على الأرجح في بلادها نفسها. وهناك القليل مما يتركز عليه البحث لتسليط الضوء على أوضاع تلك العمالة في بلادها والأسباب التي تدفعها لمغادرة أوطانها وطرائق استيرادها والتي لا دخل للخليجيين بها. وأولى بالمطالبين بتطبيق حقوق الإنسان للعمال أن يبدأوا بمراجعة تطبيقها في بلاد العمالة الأصل بالأساس، وليس بالخليج.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق