نشرت وكالة أنباء الإمارات تفاصيل لقاء تنسيقي ثان عقد بدبي بنهاية الأسبوع الماضي بين دول مستقبلة، بينها دول مجلس التعاون الخليجي، ودول مصدرة للعمالة بآسيا لإيجاد تعاون إقليمي وتعظيم فوائد تنموية ناتجة عن تنقل العمالة التعاقدية في المنطقة. شارك باللقاء مسؤولون لشؤون العمال في 21 دولة آسيوية مستقبلة ومصدرة للعمالة.
وكانت أبوظبي قد احتضنت لقاءاً مشابهاً عام 2008 أعلن أن التعاون الإقليمي هو مدخل رئيس لتحسين إدارة دورة عمل تعاقدي في مراحل ثلاث: إعداد العامل في بلد الإرسال ثم إقامته بدولة الإستقبال ثم العودة واندماجه بمجتمعه الأصلي.
وبيّن الاجتماع وجود رغبة مشروعة للعامل الوافد لتحسين ظروف حياته وحياة أسرته واستفادة صاحب عمل من جهد العامل لإنجاح أعماله. وبذلك يتحقق أثر تنموي لصالح بلدي الإرسال والإستقبال.
ونبه وكيل وزارة العمل البحرينية صباح الدوسري خلال اللقاء إلى أهمية التصدي لمحاولات استغلال العمالة وخاصة من قبل مكاتب استقدام ببلدان الإرسال، وطالبها بمكافحة ممارسات غير قانونية لتلك المكاتب.
حتى الآن غلب الجدل حول العمالة الوافدة لبلدان الخليج على التركيز على أوضاعها في تلك البلدان، والتي وصفت أحياناً بأنها مزرية وغير إنسانية وتقترب من العبودية. وفي إحدى المرات وكوسيلة للضغط على أبوظبي وقّع أكثر من 130 فنانًا عالميًا مهدّدين بمقاطعة تأسيس فرع لمتحف غوغنهايم في الإمارات إن لم تُضمن حماية للعمال المشاركين في بنائه وشروط عمل أفضل لهم.
لم يكلف أحداً نفسه البحث عن الظروف الاقتصادية المريرة التي يعيشها هؤلاء العمال في بلادهم الأصل والتي يستغلها مرابون ومكاتب تصدير لقوة العمل تعمل كوسيط بين العمال الفقراء وبين مناطق الازدهار الاقتصادي في الخليج والتي يرغب العمال في الذهاب إليها والاستفادة منها بمحض إرادتهم. ولتحقيق تلك الرغبة يضطر بعضهم للاقتراض من مرابين بقريتهم ويرهنون أراضيهم الزراعية لقاء ذلك، ويرغمون أحياناً على دفع مبالغ هائلة لتلك المكاتب لقاء تمكينهم من الاستفادة من فرص العمل. وبدل التفتيش عن الظروف الاجتماعية البائسة في بلدان الأصل، والممارسات غير الإنسانية التي يقوم بها وسطاء بين العمال وأرباب العمل في بلدان الاستقبال، يتم التركيز على أوضاع العمال في بلدان الخليج نفسها والتي تحمّل دون وجه حق كل سوءات المعادلة بين قوة العمل الأجنبية والشركات المستفيدة منها.
ورغم احتجاجات وملاحظات تقدمها هيئات عمل دولية ومنظمات إنسانية على أوضاع العمال بالدول المستقبلة لهم، يستمر هؤلاء في التدفق على مدن الخليج لتحسين أوضاعهم الاجتماعية وترقية مسيرة عائلاتهم والجيل القادم.
ووسط كل ذلك الجدل يُنسى سكان الخليج الذين بدأوا يفقدون بلدانهم نتيجة تحول سكاني هائل بنتيجة قدوم عمالة أجنبية. ويشبه الخليجيون بمحنتهم هذه يشبهون هنود حمر أميركا مع فارق واحد: أن الخليجيين في وضع آني أفضل وإن كانوا ليسوا متأكدين من المستقبل.
على أن إعلان أبو ظبي يفيد في إزالة بعض مسائل كانت عالقة. أولها التأكيد على أن المسألة الأساس التي يجب أن ينظر إليها هي وضعية العمالة في بلدها الأصل ورؤية الظروف التي تضطر الفرد منها لترك موطنه وأهله والتغرب بعيداً عنهم. فهذه الحالة المتدنية معيشياً لاشأن للدول الخليجية بها وليست هي بأي حال سبباً وراءها. وإنما وبشيء من التبصر تبدو دول الخليج، رغم كل ما يقال عنها ورغم كل محاولات الضغط الدولي عليها، متجها لآمال هؤلاء الفقراء لتحسين أوضاعهم المعيشية وترقية حياة عائلاتهم. ورغم استغلال وسطاء ومكاتب توظيف لهم في بلادهم فهم مستعدون لتحمل مصاعب للوصول إلى الدول الخليجية للبحث عن حياة أفضل. بل والملاحظ أنه ما أن يستقر العامل الأجنبي حتى يبدأ في البحث عن فرص مشابهة لإحضار أفراد آخرين من عائلته للعمل بدول الخليج. ويصعب على المنطق القبول بأن الفرد منهم يطمح بإحضار آخرين أعزاء عليه للعيش في ظروف سيئة. وهذا الاهتمام العادل بأوضاع العاملين ببلدان المنشأ هو الذي يجب أن تركز عليها الأضواء لمعالجة جوانبه السلبية.
من جانب آخر على الخليجيين التفكير العقلاني إزاء الإصرار المنفلت من كل عقال لتحقيق التنمية الاقتصادية المنفصلة عن الاهتمام بالجوانب الاجتماعية، ويتوجب أن ينبثق من حوار أبوظبي حوار محلي للتفكير في المستقبل، والاهتمام المسؤول بسلوك ينتشر بلا ضوابط. لقد ولد جيل في الخليج لم ير ماذا كانت عليه بلدان الخليج سابقاً. وأصبح هذا الجيل يأخذ البيوت المملوءة بالخدم والسائقين والمربيات كمسائل من المسلمات ودون ضوابط. وبات يرى في وجود عمالة أجنبية غالبة في الشركات الصغيرة والمتوسطة على أنها من الأمور الطبيعية. وفي أكثر من بلد بالخليج هجر الناس أعمالهم التقليدية في التجارة والزراعة والرعي وأوكلوها إلى عمالة أجنبية واكتفوا بالإشراف عليها. وهذا الوضع المغري ليس بقابل للاستمرار بحكم طبيعة الأشياء ومسارها. إن خيارات العمالة الأجنبية تزداد مع مرور الزمن: فهي تتطور وتتعلم ويزداد تملكها للخبرات. أما أبناء الخليج فتقل خياراتهم مع تقدم الوقت: فهم ينصرفون إلى الأعمال المكتبية، وتكاد قدراتهم التقليدية على العمل اليدوي تتلاشى.
ومعالجة تلك الظواهر تتطلب فكراً عملياً ومبادرات جادة. وتبقى مسألة ظروف عمل العمالة الأجنبية إن كانت في الخدمة المنزلية أو في القطاع الخاص والحكومي. فلا يجب التصور بأنها مثالية ولا تحتاج لتطوير ولكن إعلان أبوظبي يصلح كمقدمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق