لربما كان من المفيد للكتاب حول اقتصاد أن ينصتوا لنبض اقتصاداتهم بشكل أكبر من اهتمامهم بالاقتصادات العالمية وقلقهم من انتقال عوارض سلبية تحل بمراكز الغرب الاقتصادية التقليدية إلى عواصم الخليج وأسواقه. ولا ينفي ذلك ضرورة توازن معرفة ما هو المحلي وما هو العالمي وقدر التفاعل والتأثير المشترك. وتشكل عمان والبحرين مثلين يفيدان لتوضيح سبل قراءة طبيعة اقتصاد دول التعاون ومؤشرات النمو فيه.
فلقد اختلفت دول الخليج، وعمان من بينها، بسلوك اقتصادها منحىً مختلفاً أبان أزمة 2008 العالمية، فبينما شهدت عواصم الغرب اتجاها للانكماش، وتراجعاً في الاستثمار، كان الخليج يجتاز بحذر الأزمة ذاتها وهي ليست من صنعه، وترافقت، على غير توقع، مع تنام في اقتصاداته. ونبه خبراء خليجيون لمخاطر آثار الأزمة وأكدوا حتمية انتقالها للخليج. وأكثروا من الإشارات لخسائر فادحة لصناديق سيادية خليجية أو لمصارف استثمارية محلية باستثماراتها بأوروبا وأميركا متناسين الطبيعة المؤقتة لتلك الخسائر.
ويظهر تقرير مجموعة أكسفورد للأعمال عن اقتصاد عمان وصدر مؤخراً ما اشتمل عليه اقتصاد عمان من عناصر إيجابية يستحثها وبالأساس كون مصدر دخلها الأبرز فيه هو النفط. وقد زاد الدخل بفعل عاملين الأول زيادة أسعاره، والعامل الثاني إن الطلب على النفط العالمي لم يتباطأ بفعل الأزمة العالمية. وقد مال اقتصاد عمان للتوسع عام 2010 بسبب ارتفاع بالأسعار من جهة وبسبب سياسات مالية ونقدية مناسبة ترتبط بخطة خمسية مقرة وبرؤية 2020.
ولقد تمحور النشاط الاقتصادي المحلي في السلطنة حول الهيدروكربون فبلغ إسهام النفط الخام في الناتج الإجمالي المحلي 46.45% مضافاً له الغاز الطبيعي الذي أسهم بـ 4.1%. وبلغ حجم النشاط البترولي بالأسعار الراهنة 10.3 بليون ريال عماني للعام 2010 مدفوعاً بعاملي ازدياد الإنتاج وارتفاع الأسعار. ولعب العامل الأخير دوراً أكبر. وقد زاد إنتاج النفط الخام بنسبة 6.4% ليصل إلى 315.6 مليون برميل مقارنة بزيادة قدرها 6.8% و7.1% عامي 2008 و2009 بالتوالي. وبِيع بترول عمان بما يتراوح بين 76.60 دولار للبرميل عام 2010، وارتفع بنسبة 35% على سعر 56.7 دولار المحقق عام 2009.
وبلغ الناتج الإجمالي المحلي المحفوز بمتغيرات منتجات البترول إلى 22.2 بليون ريال عام 2010 وبارتفاع بلغ 23.44% بالسنة الماضية. وبالمقابل انخفض الناتج المحلي الاسمي بحوالي 22.62% بين 2008 و2009 بسبب انخفاض السعر العالمي للنفط.
وارتفعت نسبة مشاركة أنشطة صناعية غير بترولية المنشأ هي التعدين وتوليد الكهرباء والمياه والانشاءات، بين 2009 و2010 ما نسبته 18.8%.
وكما هو واضح فإن مؤشرات عمان تشير إلى توسع، ولا تنبئ بانكماش دون أن تعنى خلوها الكامل من تأثيرات أزمة خارجية.
و على نحوٍ مثيل وبالمقارنة واصلت البحرين رغم الأزمة العالمية ومصاعب خاصة بالمملكة استقطاب استثمارات أجنبية وإقامة عشرين شركة دولية مراكز بها عام 2011. واجتذبت 300 مليون دولار أمريكي دولار من الاستثمارات الدولية تقريباً. وارتفع عدد شركات خدمات مالية رخّص لها مصرف البحرين المركزي من 401 إلى 414 شركة. ونما اقتصاد المملكة بمعدل 2% بالعام الماضي ويتوقع ارتفاع المعدل إلى 4% عام 2012.
وهكذا حافظت المملكة على ميزة اجتذاب مستثمرين أجانب بالاعتماد على مواصفات مواتية محلية للاستثمار، ولموقعها وسط سوق خليجية تقدر قيمتها بتريليون دولار.
ومن ذلك اجتذاب البحرين عام 2011 لشركة باسف الألمانية العملاقة للصناعات الكيميائية. وقررت مؤسسة دي إل إي بايبر (DLA Piper) أكبر شركة محاماة عالمية تقديم خدمات متكاملة في المملكة ببداية 2011. وأسست شركة (Enerflex) الأميركية للنفط والغاز مكتباً لها بالمملكة.
وستقيم شركة جي. بي. إف مصنعاً لإنتاج أفلام البوليستر باستثمار أوليّ يبلغ 200 مليون دولار.
واقتفت الطريق شركة آر إم أي للصمامات والقطع الخاصة بأنابيب النفط ومتعلقاتها وأسست مصنعاً له بمنطقة البحرين العالمية للاستثمار، وسيخصص 95% من إنتاجه للتصدير. وأخيراً قدمت شركة يو تي سي لمكافحة الحرائق والحلول الأمنية لتأسيس مركز تدريب للبحرينيين ودول الجوار. وشهد العام 2012 المزيد من النجاح، وشهدت بداية العام الجديد إنشاء شركة «آيروثرست» الخليج لخدمات الطيران لمرفق خدمات لاصلاح وصيانة محركات الطائرات بقيمة 20 مليون دولار أمريكي.
وتكون النتائج بحسب القارئ والنظارة التي يرتديها. وما يتوجب أخذه بالاعتبار أن سوق الخليج الناشئة لم تشهد أزمة عضوية هيكلية بداخلها واستوعبت ما تسرب من آثار أزمة لأسواق دولية. وإذا كان القليل من القلق يفيد في شحذ الرؤية والخروج باستنتاجات، فإن الكثير من الخوف غير الواقعي يؤدي لمواقف غير طبيعية ولا تتساوى مع متغيرات الاقتصاد الفعلية.
ولكن الخوف من حدوث أزمة يعادل في الاقتصاد حدوثها الفعلي، وما انفكت مؤسسات تجارية بحرينية تتحدث عن أزمة عالمية وظروف غير مواتية محلية ترافقت مع تشدد مصارف محلية في شروط الإقراض وجفاف محدود في أموال الاستثمار. ولربما كان الأفضل لو أكدت تلك الدوائر على عدم وجود أزمة ودعت المهتمين والمصارف المحلية لرؤية واقع الحال بتجرد والتصرف بشجاعة بناءاً على ذلك.
يبقى القول بأن مؤشرات عمان والبحرين يمكن أخذها للتعبير عن مقتضيات أحوال الدول الست أعضاء مجلس التعاون، على تفاوت. وبات على كثير من مؤسسات الفعل الاقتصادي الانطلاق من أن الاقتصادات الخليجية قد شبت عن الطوق وفكت ارتباطا تقليدياً بينها وبين أسواق الغرب وتحاول جاهدةً تنويع مصادرها، وبقي وعي ذلك والتصرف على هذا الأساس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق