انتهى منتدى خليجي تركي انعقد الأسبوع الماضي إلى توقيع اتفاقيات وتبني اقتراحات لمستثمرين خليجيين وأتراك في الاقتصاد والتنمية. فبعد ثلاثة عقود من عمر مجلس التعاون حاول فيها المجلس إيجاد مسارات مشتركة مع جيران بالجغرافيا، وتقديم الاقتصاد منحى للتعاون ومد الجسور، اكتشف القائمون بالأمر أنه ربما كان من الأفضل الابتعاد عن شاطئ القرب الجغرافي لضمان العودة السالمة إلى مرفأ الوصول. فالحالة مع الجيران مرشحة للتفاقم، ولا بد من سبر غور فرص أخرى واستكشاف أراض جديدة وبناء علاقات مع أطراف مختلفين.
وعلى رغم ثراء التاريخ الخليجي التركي أو العثماني إلا أن الطرفين لم يكونا مستعدين للالتقاء، وما كانت العلاقة القائمة مع ضفاف الخليج الأخرى قد أوصلت الخليجيين إلى منتهاها. السنة الماضية كانت كافية لتوضيح الكثير وبلورة أمور واتخاذ قرارات.
أخيراً اكتشف الأتراك والخليجيون طريقاً سالكة لمخاطبة ما يعتور مسيرتهم من مسائل ظلت حائرة لسنين. الأتراك الذين وجدوا بعد عقود من طرق الباب الأوروبي أن أفضل المفاتيح لولوجه هو بالاستدارة جنوباً والتبلور كقوة واقعية وفاعلة مرتبطة بدوائر إقليمية مؤثرة. وبمساعدة التاريخ والجغرافيا يمكنها تحقيق نجاحات إقليمية تجعل من الواقفين ضد عضوية لها مؤجلة بالاتحاد الأوروبي يعيدون النظر في الأمور. وبدل الانتظار بلا عمل أمام بوابة أوروبية مغلقة بإصرار، فلربما كان من الأفضل التحول الفاعل لقوة إقليمية مؤثرة علّ ذلك أن يكون خير عامل لإقناع الأوروبيين بفتح البوابة أما تركيا. فإن حقق التحول الأرب وإلا فلا خسارة.
والخليجيون الذين ما انفكوا يغالبون الأنواء لثلاثين سنة لإيجاد ساحة وسطاً مع الجيران توصلوا إلى اقتناع، أنه لربما كان استنطاق التاريخ وفهم الجغرافيا أحد سبل مؤثرة لإقناع الجار بضرورة تغيير النظرة والقبول برؤية القوة الخليجية على نحو مختلف. والقبول يعني التعامل بندية، والتصالح مع الماضي وتجاوزه أحيانا.
تجاوز حضور اللقاء الـ 500 مشارك ومشاركة من الجانبين من أصحاب وسيدات أعمال من مجلس التعاون الخليجي وبحضور لافت لرواد أعمال شباب خليجيين وأتراك أوجد طبعة شبابية على المنتدى. وبذلك خرج اللقاء عن رسميات وعن وهج أضواء مؤتمرات العلاقات العامة إلى حيز العمل والتطبيق. وترك التواجد الشبابي الأثر بأن نتائج اللقاء ستكون ذات امتداد مستقبلي.
وهذا ما يحسنه مجلس التعاون على مدى عقود ثلاثة منذ التأسيس. فمن أجل إنجاح السياسة ينبغي تفعيل الاقتصاد. وبعد سنين عديدة من التحدث والتنظير عن أهمية التعاون التركي الخليجي، وبعده الاستراتيجي، ترتسم خريطة طريق لتطبيق ذلك. الآن باتت هناك خطوات مقترحة ومحطات محددة للقاء. واختار رجال الأعمال أن يكونوا بقاطرة قيادة التحالف لروحهم العملية ولوفرة الفرص على الجانبين.
تبين للحضور مدى اتساع أفق العلاقة التي تقف الآن عند، أو تنطلق من 13 مليار دولار بين الكتلة الخليجية والاقتصاد التركي بعام 2011 والعمل لمضاعفتها بالخمس سنوات القادمة. واقتُرح تأسيس شركة لتحديد فرص استثمارية بين الجهتين بما يقارب 10 مليون دولار، لتفعيل شراكة للتنمية الاقتصادية والتوسع بدول مجلس التعاون الخليجي مع تركيا لاسيما وانها تمتلك اقتصاديات متنوعة ومتعددة جعلتها تحتل المركز الـ 15 عالميًا، علاوة على تمتعها بإمكانات صناعية وزراعية وتجارية ومائية وسياحية كبيرة ومفتوحة نسبياً أمام الاستثمار الأجنبي. فتركيا تمثل أرضًا خصبة لاستثمارات خليجية ومهيأة لجذب قدر أعلى منها، لاسيما في ظل محدودية الاستثمارات الخليجية والعربية في تركيا، مقارنة بحجم تدفقات استثمارية سنوية لتركيا بلغت12.5 مليار دولار خلال 2011.
كما وقعت اتفاقية تعاون بين سيدات أعمال عربيات وتركيات لتنسيق تعاون الجانبين في مجالات المرأة وسيدات الأعمال.
ووقعت اتفاقية تعاون مع صندوق المئوية السعودي لدعم مشاريع الشباب أكدت على ثقافة العمل الحر وأثر المشاريع الصغيرة والمتوسطة في البنية الإقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي ودور روّاد الأعمال من فئة الشباب من الجنسين في ذلك.
ودعا المنتدى لتسهيل دخول أصحاب الأعمال الأتراك لدول مجلس التعاون لتفعيل التجارة الحرة ومعاملتهم بالمثل في المطارات والمنافذ الجويه وغيرها.
وبحثت مشاريع إصلاح زراعي في تركيا وتحويلها لأمن غذائي خليجي تركي. فاهتم أصحاب أعمال خليجيين بالتشارك في أراض زراعية في تركيا والتعاون التقني والتعليمي.
وكل هذه مجالات اقتصادية ممكنة ويستحثها الوضع السياسي القائم، الذي اكتفى من محاولة استكشاف إمكانات دول الجوار. وأصحاب الرأسمال يعرفون أين يتجهون، ولديهم بوصلتهم الخاصة والحساسة لمعرفة مجريات الأمور. وبقدر ما تتحق مصلحة تركيا التجارية في انفتاحها الخليجي بقدر ما يكتسي أي تعاون سياسي مستقبلي معها باللحم وتصبح علاقة التاريخ، شأناً حاضراً ومصلحة ملموسة. لا بل إنها تعيد تأسيس التاريخ على نحو متوازن.
فإذا كان الإرث العثماني قد أوجد في الوعي التركي اختلالاً سابقاً، فعلاقات تركيا مع الخليج تفتح الباب لاستعادة توازن، وترك الماضي خلف الظهر. وهو ما لا يتأتى، حتى الآن على الأقل، مع علاقات خليجية بقوى أخرى. فهنا يستحضر التاريخ لأجل إعادته لتكريس أو تغيير علاقات قائمة على المساواة والتمدن والتقدم وإعادة التاريخ مرة أخرى أو الانتقام منه.
لقد بينت أحداث الربيع العربي قوة فاعلة للكتلة الخليجية، وتبلور دورها الدبلوماسي وتغير استخدامها الأفضل للثروات التي تمتلكها. وتشكل إعادة النظر في الدور التركي والانحياز إلى تعزيزه بعض تغيرات غير مسبوقة لدور خليجي جديد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق