مسألتان لازمتا البحث العلمي في العالم الإسلامي في قرون خوالي: الأولى البعد عن ذلك البحث بشقيه النظري والتجريبي والثاني عدم ربط الدراسات بالتجارة والأعمال. ولقد عانى التطور الاقتصادي والتنمية بالمجتمعات الإسلامية من تلك الظواهر ولايزال. ولقد بدأ الخليج يكتشف أهمية الريادة البحثية، ويؤسس لمجالس ومراكز لدعم ذلك التوجه. ولقد اطلعت مؤخراً على مقابلة مطولة لصاحب السمو السيد تيمور بن أسعد بن طارق آل سعيد أثناء زيارة أخيرة لي لعمان، تغطي لبعض جوانب مثيرة للإهتمام في تبلور مجار ومؤسسات تعنى بهذا الجانب بعمان والخليج العربي.
ولكن قبل الدخول في تفاصيل الاهتمامات العمانية البازغة، تجدر الإشارة لبعض أمور.
أولها: أن الاقتصاد العالمي برمته بات مرتبطاً دون فكاك بمنتجات البحث العلمي بل ومعتمداً عليها. وأصبح الإنفاق الفردي على سلع وخدمات أنتجها البحث العلمي محسوسا حتى في الحياة اليومية للناس. فإلى ما قبل ثلاثين سنة، لم يكن الفرد منا لينفق على هاتف نقال يقتنيه أو يستخدمه. ولم تكن الإنترنت منتشرة بنفس الحضور الحالي، ولم تكن زراعة الأعضاء البديلة بأجسام الناس أمراً شائعاً أو مقبولا. وكل هذه سلع باتت تباع وتشترى في السوق، ويعتمد عليها الاقتصاد وهي أولاً وأخيراً من منتجات الجهد العلمي والأبحاث المرتبطة بالأعمال أساساً.
وعادة ما يقسم الاقتصاد إلى ثلاثة أقسام بارتباطه بالناتج الإجمالي المحلي وبتوزيع الدخل. فكلما كان المجتمع متقدماً قل فيه انشغال أفراده بالزراعة وإنتاج الغذاء واستخراج المصادر الطبيعية واتجه للصناعة وتطور بتقديم الخدمات. وكلما كان الاقتصاد تقليدياً زادت نسبة المشتغلين في القسم الأول وتوسطت بالقسم الثاني وقلّت بالقسم الثالث. وبين هذه وتلك تكون هناك مرحلة انتقالية يزداد فيها الناتج الصناعي وسط تراجع الانشغال بالزراعة وإنتاج الطعام، وبدء نمو قطاع الخدمات في المجتمع.
وبينما تواصل المجتمعات التقليدية زراعة غذائها وتربية الحيوان بالاعتماد على طرائق تقليدية في الإنتاج، تتجه المجتمعات المتطورة للاعتماد على الآلات لزيادة إنتاجيتها وهو ما يؤدي لازدهار الطلب على منتجات القطاع الصناعي والمعتمدة أساساً على البحث العلمي. وبحسب نظام طوره الاقتصادي الفرنسي جان فورستيي (1907-1990) يكون انقسام العمالة في المجتمع التقليدي بنسب 70% في القطاع الزراعي والأساس و20% في القطاع الثاني و10% في القطاع الثالث. وتتغير النسب تباعاً في مرحلة انتقالية لتتحول إلى 20% و50% و30%. وبمزيد من التنمية واعتماد العلم في الدورة الاقتصادية تنتقل النسب إلى 10% و20% و70%.
ويرتبط اقتصاد دول الخليج بشكل عام بإنتاج مصدر طبيعي هو النفط. وتنبهت تلك الدول باكراً إلى مخاطر الاعتماد على ذلك الناتج كنشاط وحيد لإدرار الدخل وبنحو أكبر لمصاعب الركون كلية إلى نشاط يعتمد العلم في الكشف عنه وتكريره، وهو ما يعني وبالذات في عقود الإنتاج الأولى على جهود غربية في التقنية والبحث العلمي. ومنذ سبعينيات القرن الماضي بدأت سياسة التنويع الاقتصادي بنشاط كبير، وبدرجة أقل بدأ السعي لتملك العلم والتقنيات التي يستند عليها إنتاج النفط وتكريره. وأصبحت منطقة الخليج منطقة إنتاج أولى للبتروكيماويات وتهتم في البحث العلمي المرافق لذلك النشاط.
ويأتي تأسيس مجلس البحث العلمي في عمان كأحد جهود خليجية رائدة ومتعددة لامتلاك العلم، والانغماس فيما لا مفر منه وهو ممارسة الكشف والاختراع بما يغذي قطاعات الاقتصاد الثلاثة ولتشكيل مراكز عالمية للتفوق العلمي. وضمن تلك الجهود يمكن أيضاً رؤية تأسيس جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا في السعودية والتأكيد منذ البداية على ربط البحث والدراسة بالأعمال وبحاجات السوق. وجاء أيضاً شراء شركة سابك السعودية لجنراك إلكتريك الأميركية متضمنة مراكز أبحاث تابعة للشركة. وهناك جهود إماراتية قائمة لتملك تقنية مصادر الطاقة الطبيعية عبر مشروع تأسيس مدينة مصدر في أبوظبي.
ولكن يبقى السؤال عن أي اتجاه سيأخذ البحث العلمي الخليجي وبأية مواضيع سينشغل بها في العقود القادمة؟
ويشير صاحب السمو السيد تيمور إلى تركيز الجهد العماني على الاستخراج المعزز للنفط، وهو مجال يتوقع له أن يزيد من كفاءة الاستخراج من 20-40% إلى 30-60%، وهو ما يقترب من مضاعفة الإنتاج والدخل من المواقع النفطية.
وهناك دولة خليجية أخرى منغمسة في جهد مشابه وهي البحرين حيث أن محدودية كميات نفطها بل ومشارفة بعض آبارها على التوقف دفعها لتستعين بخبرات أجنبية بهذا المجال. والتوجه العماني المرتبط ببحث الحل عن مشكلة محلية يسير في الاتجاه الصحيح من حيث ربط البحث العلمي بحاجات ومصاعب يطرحها الاقتصاد. وهو ما يعزز إمكانات الحصول على موارد مالية من الجهات المهتمة بإيجاد حلول تقنية في مجال استخراج النفط من جهة، ويعزز من الفائدة العملية المستقبلية والمتوخاة. وباختصار فالمنهج المتبع سيؤدي إلى تجاوز معضلة عانى منها البحث العلمي لقرون عديدة أخّرته، وحرمته من الحصول على موارد لتمويله ومخارج لاستخدام مكتشفاته.
وبالطبع هناك اهتمامات متعددة وفي مجالات عديدة حددها المركز كحقول لأبحاثه المستقبلية في قطاعات الثقافة والعلوم الاجتماعية والأساس وقطاع الطاقة والصناعة وقطاع التربية والموارد البشرية وقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات والصحة وخدمة المجتمع وقطاع البيئة والموارد الحيوية.
وهذه قطاعات مهمة لعمان أساساً وللخليج عموماً، وبمرور الوقت ستبرز مجالات أكثر دقة يستجيب فيها المركز لحاجات محددة، وبذلك ترتسم تخوم حقول البحث المركزية له، وآفاق التفوق العلمي المتوقعة له.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق