الاثنين، 19 مارس 2012

توقعات «جدوى» 2012

تلازم الأزمات النظام الرأسمالي كما حالات الازدهار، والعجلة الدائرة بين الحالتين هي آلية موجودة بأُسّ أي نظام اقتصادي حر. ويبقى السوق هو منظم تلك الفترات. وهذا المنظم على كفاءته يصعب التكهن بنتائجه. وتحاول مؤسسات البحث والدراسة استكشاف المجهول وتقليله والعمل على التنبؤ بتوجهات الاقتصاد وتخفيف آثار الأزمات، وزيادة الاستفادة من فترات النمو. ولكن ذلك لم يصل حتى الآن لحد السيطرة على محركات اقتصاد الدول ولا التحكم الكامل في متغيراته صعوداً أو هبوطاً، ولكن التحسن في الجهد مستمر.

ومن بين المؤسسات الخليجية التي تحاول سبر مسيرة الاقتصاد شركة «جدوى» للاستثمار وهي شركة مساهمة سعودية مقفلة، وأسسها رجال أعمال سعوديين بالرياض عام 2006. وفي عام 2009، أصبحت «خزانة ناسونال» صندوق الثروة السيادية في ماليزيا أحد المساهمين. وتُعدّ «جدوى» دراسات حول مواضيع تهم مالكيها ومعنيين بالإطلال على الاقتصاد السعودي، أكبر الأسواق الخليجية، وعوامل التأثير فيه. وقد نشرت الشركة مؤخراً دراسة حول توقعات سوق النفط وآفاق النمو الاقتصادي للسعودية لعام 2012.

تتوقع «جدوى» إنخفاض أسعار النفط لتباطؤ الاقتصاد العالمي، ليبلغ متوسط سعر صادر الخام السعودي 92 دولاراً للبرميل. ويرجح عودة الإنتاج الليبي لمستويات ما قبل الصراع عام 2012 وزيادة إنتاج النفط العراقي وانخفاض إنتاج النفط السعودي بنسبة 4,4% أي إلى 8,8 مليون برميل في اليوم. وإن حدث ارتفاع طلب على النفط عام 2012 فبسبب نمو أسواق ناشئة وخاصة بآسيا. وتشكل هذه نحو 60% من نمو الطلب، وسط تراجع احتياجات بقية أنحاء العالم لتباطؤ النمو الاقتصادي.

وسيزداد عرض النفط بعد أن شهد عام 2011 اختناقات إنتاجية في ليبيا أفقدت السوق العالمية نحو 1.5 مليون برميل يومياً ولسبعة أشهر.

وتضيف «جدوى» عاملين عند تقدير أسعار النفط: المخاطر الجيوسياسية والتدفقات المالية. فقد أضاف الربيع العربي عام 2011 لمخاطر الأسعار وسيستمر عدم اليقين عاماً آخراً. وقد تؤدي توترات مسألة إيران لقفزة أسعار. ولن تؤثر التدفقات المالية على أسعار النفط بنتيجة اعتدال أسواق الأسهم العالمية بما لا يشكل ضغوطاً كبيرة على أسعار النفط.

أما فيما يخص النمو الاقتصادي فتوقعت «جدوى» هبوط معدل النمو الاقتصادي بالسعودية إلى 3.1% عام 2012 مقارنة بنمو بلغ 6.8% عام 2011، لتوقع تراجع إنتاج النفط بعد ارتفاع كبير عام 2011. وسينتعش الاقتصاد غير النفطي بفضل استمرار إنفاق حكومي ضخم مدعومٍ بارتفاع مستويات قروض مصرفية، وسيكون قطاع التشييد المستفيد الأكبر. وسوف تثقل مخاوف تباطؤ الاقتصاد العالمي والأوضاع السياسية الإقليمية كاهل القطاع الخاص، بينما يستمر الإنفاق الحكومي محركاً أساساً للاقتصاد. حيث سجل الإنفاق الاستثماري مستوى قياسياً. وسيعادل إجمالي المصروفات الحكومية 36% من الناتج الإجمالي المحلي مقارنة بمتوسط 30.1% لسنوات خمس منتهية عام 2008. وسيشكل ذلك حافزاً قوياً للاقتصاد.

وتشكل ضخامة الإنفاق الحكومي عاملاً نفسياً مهماً للقطاع الخاص، فالتزام الحكومة بدعم الاقتصاد وفر للبنوك المزيد من الثقة في بيئة الإقراض. وسيدفع وضع الشرق الأوسط السياسي المضطرب مستثمرين أجانب للحذر وسيؤثر على صادرات شركات للمنطقة وتذبذبات حادة في سوق الأسهم وأسعار النفط.

وستشكل سنة 2012 رابع عام على التوالي يشكل فيه الإنفاق الحكومي المحرك الرئيسي للاقتصاد. إلى جانب الإنفاق الحكومي سيشكل نمو القروض المصرفية عامل دعم مهم للقطاع الخاص. وتشير بيانات الأشهر العشرة الأولى من العام إلى أن الإقراض المصرفي ارتفع بصورة مضطردة عام 2011 .

إذا، وإن صحت توقعات «جدوى» وتحليلاتها، فإننا بخير. ومن الجميل الحديث عن مخاوف زائدة للقطاع الخاص، ودور الحكومات في التقليل من ذلك الأثر غير الواقعي. وما يحرك الحكومات يختلف عمّا يحرك القطاع الخاص. وقد وقع الأخير ومنذ حدوث الأزمة العالمية وتزايد الحديث عنها بقلق زائد من الوقوع في مرض فبات يتصرف كالمرضى. ولربما تصرف بذلك وجلاً من مساهميه، وتفادياً من إدارات مؤسساته لئلا تقع تحت المسؤولية. وأن تأتي مؤسسة مثل «جدوى» وهي مؤسسة استثمار خليجية ولتصف هذه الظاهرة فهو أمر حسن وسيسهم باستقلال المؤسسات الخليجية، وبينها شركات القطاع الخاص، والحد من دورانها في فلك عواصم الغرب المالية.

وبأية حال فقراءة تقرير لعام 2011 ونشر توقعات لعام 2012 تنبئ أن الأرضية التي يقف عليها القطاع الخاص أرضية صحية وتبعث على التفاؤل. ويتوجب على رجال الأعمال أن يدركوا أنهم شبّوا عن الطوق، وباتوا قادرين على اتخاذ قرارات سليمة. وفيما يخص أسعار النفط، وإن تراجعت عن مستويات استثنائية، فهي لا تزال جيدة وتنأى بدول الخليج من الوقوع في ممارسات الأزمة والانكماش وضغط تمويلات الائتمان، والتضييق الذي يؤثر على نشاط القطاع الخاص وبالذات المؤسسات المتوسطة والصغيرة به، ويكاد أن ينال هذا من وجودها.

إن الحكومات الخليجية وعلى تفاوت كانت أقل تخوفاً من الأزمة من القطاع الخاص لأسباب شتى. وأهم تلك الأسباب أن مصدر دخلها الأساس كان ولا يزال عوائد النفط، وهذه شهدت ارتفاعاً في السنوات الماضية. وحين حدوث الأزمة كانت دول الخليج كل بحسب قد سارت في طريق التنويع الاقتصادي منذ زمن. وفرقت بين سعر النفط الذي يباع به فعلياً وبين السعر الذي تعتمده الحكومات والذي يقل كثيراً عن الأسعار المعلنة. وشكلت سنوات الأزمة الفترة التي استفادت بها تلك الدول من سياساتها المرسومة سابقاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق