قال وزير داخلية البحرين الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، إن أمن الخليج أصبح محل اهتمامات دولية بتبلور النفط والغاز كمصادر طاقة رئيسة، وعماد نمو اقتصادي وحضارة حديثة، ولامتلاك المنطقة لثلثي احتياطي العالم من النفط وربع احتياطي الغاز.
بعدها، تلازم أمن الخليج وأمن الطاقة العالمي، وبات مكونًا رئيسًا باستراتيجية الأمن القومي الأمريكي. وتُرجم ذلك بحرص أمريكي بعدم وقوع المنطقة تحت سيطرة أي جهة إن كانت قوة دولية أو إقليمية. وحرص الأميركيون على احتواء تفاعلات قوى إقليمية كالحرب الإيرانية العراقية بثمانينيات القرن الماضي وحرب الخليج الثانية في بداية تسعينيات القرن. واكتسب أمن الخليج بعدًا جديداً بوجود القوات الأمريكية بالمنطقة مباشرة، وقيادة الولايات المتحدة لحرب ضد الإرهاب مع انعطاف القرن.
وتراكمت خسائر مالية لدول الخليج، تكبدتها في تلك الحروب وتجاوزت 47 مليار دولار كمساعدات للعراق في حربها ضد إيران، و65 مليار دولار في حرب الخليج الثانية. وبتصنيف الخليج كمنطقة غير مستقرة لحروب وصراعات نشبت بها حُرمت تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر، والتكنولوجيا الحديثة، فقلت تدفقاتها سنويًّا عن 3% من تدفق عالمي.
جاء ذلك أمام جمع حاشد لمؤتمر عقده مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة بالمنامة بنهاية الأسبوع الماضي لدراسة أمن الخليج. ولفت الانتباه الحضور الواسع لضباط الداخلية، والذين قدموا للاستماع وليس لتأدية وظيفتهم اليومية لحفظ الأمن. بات ضرورياً لهم أن يفهموا اقتصاديات الخليج وعلاقاته بحلفائه لإضاءة أدائهم اليومي. وهذا يذكر بإرسال وزارة الدفاع الأميركية، قبل سنوات، لمجموعة من ضباطها إلى مقر البورصة الأميركية في نيويورك وتزويدهم بأموال كافية لخوض غمار البيع والشراء واستيعاب مخاطر اقتصادية قد تنجم عن أية أحداث في عالم متشابك.
وضمن هذا الفهم شهد الخليج أمرين، أربكا أوساط مسؤولي الأمن بدول المجلس، وأفادا في اكتشافهم لنواح غير متوقعة تربط الأمن والاقتصاد.
أولها: ما قيل عن آثار لأزمة العالم المالية حلّت بالإمارات ودبي على وجه الخصوص. حينها تنكرت وسائل إعلام وإعلاميون للإمارة، وشُنّت حملة إعلامية منتظمة استمرت لأسابيع. كانت الرسالة المتضمَّنة هي أن ظاهرة دبي «الفُقاعة» التي طالما جرى الحديث عنها قد تفجرت، وإن فصل النهاية لقصة نجاح اقتصادي غير مسبوق قد أزف. فقدت وسائل إعلام محترمة وشبكات تلفزة مرموقة وجرائد عريقة الكثير من الاتزان وتحولت إلى أدوات لإثبات هشاشة اقتصاد دبي، وكيف يدير عرب متخلفون القانون. ودخل على الخط كثيرون، وزار الإمارة مسؤولون غربيون كبار عديدون، تدهور بهم الحال إلى حد المطالبة بتعويض مواطنين أفراد من بلدهم استثمروا في دبي وشركاتها وباتوا، بعد بروز مصاعب واجهتها بعض مشاريع عقارية، يودون الانسحاب منها. كان ذلك بمثابة صدمة للخليجيين الذي شهدوا حملة إعلام غربية تتحدث عن تردي أحوال الإمارة وأنها موشكة على الوقوع في أزمة اقتصادية غائرة لا سبيل للخروج منها. تبخرت الموضوعية، وبان دور للإعلام أكثر واقعية. صبر أهل الخليج وصمدت الإمارة وبعد مرور أشهر تكاد دبي أن تتجاوز تلك الحالة، وأن تستشعر ثقة كبيرة بالنفس وتطلعاً مستقبلاً. ولكن كلٌ يتعلم من «كيسه»، ولا طريق آخر يُسلك للتعرف على طوبوغرافية الاقتصاد العالمي، وارتباطه بوسائل إعلام عالمنا الحديث غير هذا الطريق.
والأمر الآخر هو ما حدث في البحرين من أحداث مؤسية بدأت في 2011، وبلغت أقصاها حين تقدمت مجموعة متظاهرين لإيجاد حاجز بقرب برج المرسى المالي، وقطع شارع الملك فيصل، شريان الحياة الاقتصادية الأساس في المملكة. وحين تقدمت قوات الأمن لإزالة الحاجز حدث ما حدث والبقية بالتفاصيل باتت معروفة للجميع.
المفاجأة الكبرى والتي لا تزال تشكل موقع تعجب وغموض هو مواقف دول غربية، ومؤسسات حقوقية عالمية وجهات إعلامية تقع على جانبي الأطلسي اتخذت مواقف غريبة وغير متوقعة. حتى البي بي سي العريقة لم تسلم من انزلاق في تلك الهوة ولربما مازالت.
تداخلت انحيازات قديمة ضد عرب الخليج، وامتلاكهم لثروة نفطية وضعتهم في موقع تحكم وتأثير على الاقتصاد العالمي. وانبرت جماعات لحقوق الإنسان وجدتها فرصة لإحداث تغييرات في منطقة الخليج لا تتفق بالضرورة ومصالح أهلها وسكانها، ولكنها تنضوي ضمن أجندات تنحاز لجوانب ليست واقعية بالضرورة وتلبي أهدافاً ليست عادلة بالجوهر، وتغض الطرف عن انتهاكات لحقوق الإنسان تواجهها جماعات أو أفراداً آخرين.
فوجئ بحرينيون كثر وخليجيون أكثر بهذه الوقائع واكتشفوا كم كانوا سذجاً في تعاملهم مع مؤسسات دولية، وقبولهم لمعايير تبنتها مؤسسات حكومية ومنظمات غير حكومية. وكان هذا هو الاكتشاف الثاني لمسؤولي الأمن. عرفوا أن الإعلام يمكن له أن يزعزع الأمن، وإن أرادوا أن يقدموا تقريرهم اليومي عن «إن الأمن مستتب»، فهذا يتطلب متابعتهم لشبكة وسائل إعلام غير مسبوقة، وأن يحققوا أمناً إعلامياً ذاتياً يستطيع المواجهة في حروب القرن الواحد والعشرين. فبوسط التشبيك، ووسائل الإعلام الإلكترونية ووسائط التواصل الاجتماعي يمكن لمعلومة خاطئة سبقت إعلام الدولة أن تؤخذ على أنها حقيقة، وواقعة وسيتطلب المرء مجهوداً يتجاوز ما أنتجته المعلومة الأولى الخاطئة.
ولهذا يمهد وزير داخلية البحرين لمداخلته بمؤتمر لأمن الخليج، بوضع إطار تُفهَم من خلاله مواقف حلفاء كادوا أن يتجاوزوا أعواناً وأصدقاءاً فقط، وإنما تداخلت مصالحهم وتشابكت لحد التطابق. ولكن وحين «حزّت الحزّة» لم يجدوهم بخانة الحلفاء.
ودوام الحال من المحال!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق