الاثنين، 20 أغسطس 2012

ربع قرن مع ستيف جوبز 1-2

وددت الكتابة عن ستيف جوبز حين وفاته على أن ظروفاً مأساوية رافقت سنينه الأخيرة ومرضه المزمن جعلني أؤخر ذلك. كان لاسمه حضور وسط صنّاع عالم رقمي مثير نقلوا البشر والكون من حال إلى حال، وكانت لشخصيته كاريزما تفوق شخصيات أخرى رافقت ولادة الحاسوب الشخصي، وانتشاره المذهل بين الناس، وإحداثه لثورة غيّرت وجه العالم لغير رجعة، ولا زال كثير من جوانبها، على اتساع تأثيره وعمقه، في أوله.

دخل ستيف جوبز (ممثلاً بشركة أبل) حياتي وحياة عائلتي منذ 1985 ولم يخرج منها أبداً. كان مصدر تغيير وتطوير، ومحط نقاشات عائلية تنتقل لطاولة الطعام وتمتد لساعات جدل طويلة، وتؤدي لاتخاذ قرارات أساس بنمط العيش، وطرائق العمل. والأهم أنه كان خلف كثير من تطورات اقتصادية، على مستوى الفرد ومستوى العالم.

إن كانت ماركات الكومبيوتر الشخصي تشع وفي مجال الأعمال بالألق أداءاً وتعد بمستقبل فريد وفجر ساطع للبشرية، كان حاسوب أبل هو الأكثر ألقاً وإيحاء بمستقبل وضاء للإنسانية. وإن كان لشباب  السيليكون فالي بأميركا، مركز تطوير تلك التقنيات في القرن الماضي من مراتب، فستيف جوبز ونخبة صغيرة يحتلون المكان الأرفع.

كنت قد بدأت العمل في العام 1983 على تحقيق مخطوطة في تاريخ عمان هي «كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة» منسوبة للإزكوي كجزء من متطلبات الحصول على درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية. قرأت نسختي المحققة ثماني مرات وقرأها مصححون محترفون وأستاذي المشرف على البحث. كانت النسخة مطبوعة على آلة كاتبة اشتريتها في غابر الأيام وظلت رفيقة دربي أنقلها أينما كنت. وقد اقتنيتها اقتفاءاً لعادة زعيم فيتنامي راحل: هو شي منه (1890-1969)، قاد ثورة تحرير لبلده وتولى رئاستها لاحقاً. تعلمت منه عادة أن أطبع كتاباتي بنفسي.

أزالت القراءات الثماني المتكررة أخطاءاً كثيرة صُححت بشق الأنفس عبر إعادة طبع الصفحات، وتوخي أقصى درجات الدقة في مسح كلمات النص حيناً بسائل أبيض يشبه طلاء الأظافر وحينا بقصاصات بلاستيكية بيضاء عليها بودرة تقوم المطبعة بلصقها على أحرف الكلمات ليعاد التصحيح. لم يضمن ذلك العناء كله خروج نسخة تاسعة أخيرة وبعدها نسخة منشورة دون أخطاء. كانت التجربة أول مؤشر أنه يتوجب أن تكون هناك طريقة أفضل للعمل، تضمن تصحيح أي خطأ مرة واحدة فقط.

تخرجت وسط شعور مبهم وبقناعة عميقة بوجود آلة ما، أو طريقة أخرى يجرى استخدامها تستجيب لمتطلباتي. ولا أدري لماذا كنت أشعر بأن جهازاً اسمه الحاسوب يمكن أن يفيد بذلك.

التحقت بجامعة كيمبردج بإنجلترا عام 1985 وألقيت بنفسي كاملاً في عالم استخدام حاسوب الجامعة المركزي (mainframe). وبعد شهور من عمل مضن وتجريب وتطلب بإلحاح إدخال العربية للجهاز المركزي بالجامعة لمعالجة النصوص بدءاً وطباعتها لاحقاً. تحقق نجاح شكل إنجازاً تقنياً وثقافياً بكل المقاييس. ولكني كنت لا أزال أشعر بأن ذلك ليس ما أبحث عنه، واستمر الأمل كبيراً في العثور على جهاز حوسبة، وتقنية مختلفة، وقدرة على تلبية متطلبات وشروط استخدام  اللغة العربية ولغات شرقية أخرى. ووسط ذلك الإصرار عثرت على جهاز الأبل، بقدرته الفائقة على التعامل مع متطلبات العربية في الدقة والجمالية. وترافق تطوير الجهاز كتابة برامج لمعالجة النصوص وطباعتها بحسب خصائص العربية. ولم أكن وحيداً في البحث. انتقلت جريدة الحياة اللبنانية إلى لندن وباحية عن وسيلة نشر تقلل التكاليف وتزيد الإنتاجية. ووهناك وقعت على  برنامج «الناشر المكتبي». تمكنت بذلك من إعادة تأسيس نفسها بما قدر حينها بثلاثة أرباع مليون جنيه. وكان ذلك خفضاً هائلاً للكلفة. وسرعان ما لحقت بها جريدة الأيام البحرينية.

حينها كانت أبل منشغلة بمعركة من نوع خاص. كانت تود أن توحد نظام تشغيلها بإقناع مئات مطوري برامج لأبل منتشرين بأنحاء العالم. لم تكن قادرة على المضي قدماً بوجود أكثر من نظام تشغيل. كانت تريد أن تقوم هي بتطوير الجهاز ونظام تشغيل واحد على أن ينطلق المبرمجين ويطوروا منتجاتهم على هذا الأساس. وتمكنت أبل من إقناع الغالبية الساحقة، وبقى آخرون، بينهم أحد المطورين العاملين على برنامج نشر مكتبي يعتمد جهاز أبل كأداة ولكنه لا يتبنى نظام تشغيل أبل. واقتضى الأمر من أبل سنوات حتى تمكنت من إقناع سائر المهتمين بأن هذا هو التطوير الأصح والطريق الحتمي لتحسين الأداء العام لحواسيبها.

كان اهتمام أبل بالقسم العربي من هذا التطوير هو بحد ذاته جاذباً وباعثاً على تجاوز الخيار الآخر والمنافس وهو نظام تشغيل للبي سي: إم إس دوس البالي والمتخلف، ولكنه الأكثر انتشاراً بالعالم. ولم تبد مايكروسوفت حينها كبير اهتمام بالعربية. على أنه وجد بين نظامي التشغيل لأبل وللبي سي عاملٌ مشترك: مايكروسوفت ومؤسسها بل جيتس. كان جيت هو المطور الأول لبرنامج الإكسل للحسابات وهو برنامج استفاد من منصة أبل الصديقة للمستخدم بشكل غير مسبوق، ولبى احتياجات الأعمال للمحاسبة. كان جيتس يعلم أن نظام الأبل هو المستقبل، ويعرف أيضاً أن الحس التجاري وولاءه لمئات الملايين من زبائنه يوجب عليه عدم تبنيه بشكل كامل وآني، مما قد يعرض للخطر مصالح مستخدمي نظام الدوس التشغيلي وولائهم له. فضّل جيتس التسويق والأرباح والعقلية التجارية على تقدم تقني سيشل عمل الأفراد والشركات من مستخدمي نظامه حينئذ.  (يتبع)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق