الاثنين، 13 أغسطس 2012

استثمارات الخليج للأمن الغذائي .. كمبوديا مثلاً

تعرّف زهراء بابر الباحثة بمركز الدراسات الدولية والإقليمية بجامعة جورجتاون الأمن الغذائي بأنه مصطلح تقني يربط على المستويين الصغير والواسع وجود قدرة للحصول على مصدر كميات غذاء كافية من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والفعلية. ويتوفر هذا الأمن لبلد أو لمنطقة حينما يتمكن الشعب بها أو غالبيته من الحصول على مقادير طعام مغذية وبانتظام. أما مفهوم السيادة الغذائية فيتصل بنحو أكبر بمفهوم سياسي هو تملك وليس الوصول لمصادر غذائية. ويقاس مدى سيادة الدولة الغذائية بمستوى اكتفائها الغذائي، وأن ما تمتلكه من كمية طعام يحقق لها اكتفاءاً ذاتياً، وخاصة وقت الأزمات.

ولا تتوقع زهراء لدول الخليج، بسبب ثرائها، أن تتعرض لمجاعات أو أعراض سوء تغذية، ولكنها تعاني من نواقص في السيادة الغذائية. وبسبب هذه الوضعية بدأت تلك الدول تواجه «ثغرة غذائية» في السبعينيات، لتعاظم عدد سكانها من جهة، ولتزايد دخل الفرد بها.

ويرى الباحث بنجامين شيبرد في دراسة موسعة له حول تجربة مجلس التعاون الخليجي للوصول إلى الأمن الغذائي عبر استثمارات في دول آسيوية وأفريقية، إنها تؤسس مشاريع جديدة بدل الاستفادة من مشاريع قائمة حالياً. وينحو الخليجيون لاستئجار أراض شاسعة لفترات قد تصل لـ 99 سنة، وزراعتها، وتوجيه الناتج لأسواق الخليج. ويوصي الكاتب بعد دراسته حالتي استثمار: في كمبوديا وأثيوبيا، بأن يغير الخليجيون توجههم. فقد أثبتت التجربتان، أن تملك الأراضي أو استئجارها لأمد طويل هي استراتيجية رديئة ومحفوفة بالمخاطر لتحقيق الأمن الغذائي الخليجي. فهذه المشاريع تؤدي بحسب قوله لنزع ملكية الأراضي من المجتمعات المحلية وإيقاع ضرر بها وإفقارها، مما يعرض قابلية تحقيق المشروع واستمراره للخطر.

وبالمقابل ينوه شيبرد بوجود فرص أكثر واحتمالات نجاح أكبر عبر استثمار دول مجلس التعاون بالقطاع الزراعي الكمبودي القائم كاستراتيجية أكثر قابلية وموثوقية. ويدعو الباحث تحديداً لاستثمار زراعة قائمة على جهود صغار الملاكين بدل امتلاك قطع شاسعة من الأراضي وزراعتها.

وقد أظهرت دراسة حالتي كمبوديا وإثيوبيا بروز مشاكل مشتركة بينهما في حالة مواصلة تملك أراض كبيرة، ويتوقع بروز مصاعب مشابهة بدول أخرى. وعلى ذلك ينصح الكاتب بأن تأخذ الدول بالاستثمار في تطوير الملكيات الصغيرة الموجودة، دون تملكها أو استئجارها لتحقيق فائض غذائي أكبر لاستهلاكه بدول المجلس. وبين تلك الدول كانت السعودية هي الأكبر والأكثر في مشاريعها فاستثمرت في إثيوبيا والسودان والسنغال وجنوب السودان وروسيا والفلبين والأرجنتين ومصر ومالي وموريتانيا ونيجريا والنيجر وباكستان وزامبيا. واستهدفت في ذلك التصدير المباشر للمحاصيل الناتجة للسعودية. وتضم قائمة المحاصيل الذرة وفول الصويا والأعلاف والأرز وزيت النخيل والربيان والموز والأناناس والخضروات والقمح والدواجن. وعقدت السعودية 16 اتفاقاً (خمسة منها مع إثيوبيا) تغطي ما يقرب من مليون وسبعمائة ألف هكتار. واقتصرت عمان والبحرين على الاستثمار في الفليبين لتصدير الأرز لهما والموز للثانية.

وبكل ذلك خير. ولكن هذا لا يستثني إعطاء الموارد المحلية وإن شحت، كل الاهتمام، وتوجيه الاستثمار لها، وبدرجة أساس ربطها بمراكز بحث علمي وببرامج جودة. وتفيد أمثلة، شكلت قصص نجاح، لدعم هذا الاتجاه: مثل مزارع الربيان في صحراء السعودية جنوب جدة، والاهتمام المتزايد بإنتاج التمور وزراعة الخضروات في الإمارات والسعودية. ويضاف إلى ذلك اهتمام خاص بتربية الإبل والاستفادة من لحومها وألبانها وجلودها. وهناك تجارب لا تزال في بدايتها لاستزراع الأسماك في مياه الخليج وعلى البر.

ومن الناحية البحثية هناك تجربتان حريتان بالاهتمام: الأولى مركز السلطان قابوس للزراعة المتطورة بجامعة الخليج العربي ومركزين لأبحاث تتعلق بالجمال في الإمارات المتحدة. وبتوأمة البحث العلمي، والتجريب والاستثمار المحلي، يمكن للإنتاج المحلي أن يشكل مصدر استثمار، وضمانة حدود دنيا من الأمن الغذائي والسيادة الغذائية.

وليست هناك دولة من دول العالم تمتلك 100% من الأمن الغذائي عبر 100% من السيادة الغذائية ولكن هناك قدر أدنى لدى دول يمكنها موقعها الطبيعي إنتاج غذاء نباتي أو حيواني. ويدعم الإنتاج الزراعي والحيواني كماً وكيفاً وجود عوامل كنمو اقتصاد تلك الدول، وتقدمها في البحث العلمي وتبني تقنيات إنتاج حديثة. ويمكن لتلك المنتجات أن تشكل جزءا من استهلاك محلي وقدراً للتصدير. وبهذا يتكامل اقتصاد البلد وأمنه الغذائي. والمشكلة الأولى لدى الدول الخليجية الست أنها تقع في موقع جغرافي يشح فيه المطر وتتسع به الصحاري، فتضطر فيه الدول حتى لتحلية مياه الشرب. والمشكلة الثانية لديها اعتماد سكانها على الأرز كغذاء رئيس لهم، ويعني ذلك اعتمادها الكلي على الخارج لتأمين طعامها اليومي. ويكمن هذان العاملان وراء الاستثمار في بلاد خارجية، لضمان انتظام وصول الغذاء لها، وبأسعار مستقرة.

وليس هناك من حل سريع لتلك المشكلة ولكن توجد مجموعة أفكار طبق بعضها وصادف بعضها نجاحاً. ولكن يبقى المهم هو البحث الدائم عن الإمكانيات المحلية بحيث لا يتحقق الأمن بالاعتماد الكامل على الخارج. وإن صعبت زراعة الأرز في الخليج ، كونه الغذاء الرئيس للسكان، فيمكن الاستثمار المحلي في ترقية زراعة محاصيل أخرى تصلح للاستهلاك المحلي وللتبادل العالمي.

وبآخر الأمر فأي استثمار داخلي، يبقى بنجاحه أو فشله، في داخل البلد ووسط بيئته إنتاجاً وتسويقاً فاستهلاكاً. أما ما الاستثمار في دول أخرى فهو عرضة لتقلبات ومتغيرات خارج التحكم. وإعطاء الداخل أولوية، ليس دعوى لتجاهل إيجابيات العولمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق