صدف بعد نشري لحلقة أولى للعمود هذا بجريدة عمان، أن ارتفعت أسهم شركة آبل يوم الإثنين الماضي لتبلغ القيمة الإجمالية للشركة 623 مليار دولار أمريكي متجاوزة لسقف 620.58 مليار دولار بلغته مايكروسوفت عام 1999. ورغم تحفظات على الرقمين لكن الاختراق قد تم.
ويرجح سبب هذا الارتفاع لتفاؤل بظهور هاتف جديد لأبل (آي فون 5) قريباً وتوقع صدور حاسوب (آي باد) بنسخة أصغر وأرخص. وبذلك إشارة إلى أن جزءاً أساساً من الارتفاع يعود لهواتف أبل حالياً ولأجهزة صوتية تستفيد من تقنيات الحواسيب ولكنها ليست حواسيب بحد ذاتها. وليس بذلك ضير تجارياً ولكن بها ما قد يستثير مسألة وقفت بيني وبين أبل: هل يستجيب نظامها لمتطلبات توحيد النظام المشغل لسائر الحواسيب، لتعمل الأجهزة بنظام تشغيل واحد، وليس بأنظمة مستقلة وإن خاطبت بعضها بعضا.
لم يكن بل جيتس مؤسس مايكروسوفت بغافل عن خصائص نظام تشغيل أبل، فشركته وكما سبق القول قد سوقت أبل كثيراً ولفتت الأنظار لإنجاز تقني هائل بدأته منذ ثمانينيات القرن الماضي. كان نظام أبل يخاطب استعمال المستخدم العادي والمحترف ويقدم نظاماً سهلاً، بصرياً بالأساس. ابتعد عن كل ما له علاقة بنظام الإم إس دوس وإيعازاته الثقيلة والمتطلبة للاستخدام، باشتراطها حفظ إيعازاتها. قدمت أبل بديلاً أسهل وأكثر كفاءة دون التنازل عن قوة الجهاز ولا جمالية أدائه. ووسط هذا التشابك شهد العالم صراعاً مريراً في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي بين فريقين: مستخدمي أبل وأجهزتها ونظامها وهم أقلية متميزة ومنتشرة ويصعب تجاهلها، ومستخدمي أجهزة البي سي، وهم الأغلبية الساحقة. وكانت ارتباط الفريقين بأجهزتهم يزداد مع الوقت، ويزداد معه إصرار كل فريق بعدم تجاهل استثمارهم في عملهم، وقلقهم مما يسبب الانتقال من جهاز لجهاز، ونظام لنظام على سنوات سابقة من العمل، وعلى المستقبل أيضاً.
وأخبرني ممثل شركة أجهزة بي سي في تسعينيات القرن المنصرم، أن أي مستخدم للحاسوب الشخصي يحاول تجريب نظام الأبل، لا يعود براغب أو بقادر على استخدام جهازه السابق، وبنظام تشغيله. كان ينظر للمستخدم كمرتدٍ مستعص علاجه، وحالة ميئوس منها. وباختصار لا يعود براغب أو بقادر على العودة لنظام الإم إس دوس. وفضلت مايكروسوفت بحس تجاري كبير وقيل أحياناً بولاء لزبائنها، تأخير تطوير منصة ونظام يستخدم كل تطويرات أبل لصالح بقاء نظامها ”متخلفاً“ شرط البقاء بقرب غالبية ساحقة من مستخدمي نظام دوس، وتطوير نظام التشغيل شيئاً فشيئاً.
كنت قد اقتنيت أحد أول أجهزة الماكنتوش، وبدخوله للبيت تعلق به سائر سكان المنزل، وأصبح من الضروري تقسيم وقت الاستخدام ليستفيد منه أربعة مستخدمين بما فيهم كاتب العمود. كانت أبل تقود المرحلة، وتقدم أفضل الحواسيب. وأضافت لطموحها لتزويد مستخدمي الأبجدية الرومانية (وبينها الإنكليزية)، باهتمام بمنصة تشغيل لمستخدمين عرب، وبلغتهم المتطلبة في خصائصها. واستمرت أبل في اهتمامها بالعربية واللغات الأخرى حتى منتصف التسعينيات. وببروز مصاعب حادة داخلية، تراجع اهتمام أبل باللغات الأخرى. وبالمقابل أولت مايكروسوفت العربية وكل لغات الكون اهتماماً بالغاً.
بدأت رحلتي في استخدام الحاسوب باختيار أبل لحاجتي لحاسوب ثنائي اللغة. وحين أدركت أن اهتمام أبل بذلك يتراجع، تراجعت. كان علي أن اتخذ قراراً حاسما، لأن في ذلك احتمال فقداني الاتصال بكل كتاباتي وأبحاثي المدونة على جهاز أبل. وكان علي أن اتخذ قراراً حاسماً. اتجهت لمايكروسوفت بنهاية تسعينيات القرن الماضي، حينها بدأَت في تطوير نظام الويندوز، الجامع بين أفضل ما بالمنصتين، وتبنت نظاماً يحاكي نظام الأبل بكل مميزاته دون تبني نظام الأبل نفسه. أي استمر وجود نظامين مستقلين يتحادثان دون أن يتماثلا. وانتهى مستخدمون ثنائيو اللغة لاستعمال حواسيب شخصية بنظام ويندوز وفارقوا أبل وكذلك فعلتُ وبقية العائلة.
ركزت أبل إلى حين على منتجات ليست حواسيب بحد ذاتها وإن أدخلت التطويرات القادمة من مجال الحوسبة إليها. وأضافت إلى ذلك كله اهتماماً غير مسبوق بتصميم أجهزة أخاذة تخطف بريق النظر وتخلب خيال المستخدمين، وتشكل أجهزة متناغمة مع الأثاث المنزلي الأنيق وبل وحتى الفخم. ومع ذلك قررت مفارقة أبل بالنظر لتآكل اهتمامها بالعربية. عاد بعض أفراد العائلة مرة أخرى لأبل، وحاولوا إزاء إصرار الشركة على إنتاج أجهزة مصممة بطريقة جميلة، ويفوق استخدام نظامها في السهولة ولربما الكفاءة نظام الويندوز.
بقي سؤال: هل ستستمر هذه الثنائية قائمة، وهل في ذلك تنوع الذي يصر عليه النظام الرأسمالي اقتصادياً والديمقراطي سياسياً؟
لا أعتقد ذلك. وأرى أن إصرار أبل، ولا أعرف دور جوبز في هذا، على وجود نظامين يعيق تطور الإنتاجية ويرفع من كلف الاستخدام دون مبرر. وكما عملت أبل في ثمانينيات القرن الماضي حثيثاً لتوحيد أنظمتها للتشغيل، فالبشرية محتاجة لنظام واحد للانطلاق منه وترك الباقي للمطورين. ورغم كل حديث تآلف النظامين وقدرتهما في التخاطب والتواصل معاً، فهما ليسا متطابقين ولكل برامجه الخاصة. ولا أملك معلومات أو خبرة للتنبؤ بأن نظام وحواسيب أبل ستزيد من انتشارها ويضحي وضع اللوم على مايكروسوفت. فالظاهر بأن مايكروسوفت ستستمر في تطوير نظام هو الأكثر شيوعاً بين المستخدمين ويجعل من مغادرته تعريضاً لاستثمارات الأفراد والمؤسسات في عملهم، وبشكل يجعل أي تغيير لاحق أمراً محفوفاً بالمخاطر ويصعب الرجوع عنه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق