أكد سعادة رئيس اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي خليل الخنجي على أهمية مبادرة سعودية للاستثمار الزراعي بالسودان، تؤدي لمنفعة متبادلة وتحقق أمناً غذائياً.
ودعا لتشجيع استثمار القطاع الخاص الزراعي بالخارج لضمان الأمن الغذائي لدول المجلس، ولتطبيق القوانين بشفافية ونزاهة وملاءمة وفعالية ولتوفر المعلومات. ونوه بضرورة إيجاد ضمانات للاستثمار وللاستقرار السياسي والاجتماعي وتوفير بنى تحتية مطلوبة، وإيجاد نظام مالي وبنكي وتسويقي وتأميني مناسب وتوفر قوى عاملة مؤهلة وغياب موانع إدارية والروتين.
ودعا رئيس الاتحاد الدول الخليجية والعربية لتنظيم ملتقيات استثمارية لاكتشاف فرص الاستثمار بدول عربية كالسودان والمغرب وتونس ذات الفرص الزراعية.
وتأتي دعوة الخنجي بعد نجاح ملتقى استثماري سعودي سوداني انعقد مؤخراً بالرياض وعرضت به السودان أكثر من 350 مشروعا بتكلفة تصل لثلاثين مليار دولار أميركي في الزراعة والصناعة والنفط والمعادن، وكبنية تحتية لتكامل اقتصادي وزراعي وغذائي للبلدين. وستنشئ السودان أول منطقة زراعية حرة بالعالم العربي.
وعبر الخنجي عن أمله في تضمُّن قانون الاستثمار السوداني الجديد عناصر كافية لمعالجة سلبيات، وإيجاد حلول ناجحة للحد من معوقات تواجه المستثمرين من دول المجلس واستثماراتهم بالسودان.
في الأيام الخوالي وتحديداً في ستينيات القرن الماضي وما تلاها من أيام الحرب الباردة، والنزاعات السياسية العربية، كانت دعوات الاستثمار العربي في البلاد العربية تقابل أحياناً بمعارضة واعتبار أي اقتراب للاستثمار الخليجي يعادل محاولات للهيمنة وعودة لاستعمار جديد ونيل من كرامة شعوب شغوفة بحريتها وكرامتها.
وتطلب الأمر مرور ما يقارب الأربعة عقود. تغيرت المقاييس والظروف لتسمح ببروز معادلة جديدة، ومفاهيم مختلفة وإيجاد مساحة من الحرية، ليتمكن فيها الرأسمال الخاص العربي من أن يلتقي والفرص الاستثمارية الموجودة في الدول العربية دون أن تحيط به شكوك، وتتقاذفه اتهامات، ويُفشِله سوء الفهم والتوجس. ولكن وبشكل أساس كان المطلوب تبلور تجربة عربية راسخة تؤكد عدم الضير من ألا يفسد الخلاف بين الدول والاختلاف السياسي إن وجد، من ود الاقتصاد. بل ولربما يكون طريق الاتفاق الاقتصادي، أقصر الطرق لرأب الصدع. وكان لابد من بروز تجربة اختبرتها الأيام ومرت بها الكوارث فما انكسرت. وهذا بالضبط ما كان مفيداً بتجربة مجلس التعاون، الذي بدأ بالاقتصاد واستمر به بل ووجد فيه المعبر نحو تهذيب السياسة وإسلاس قيادتها.
السودان وغير السودان من دول عربية ومجاورة، بها من الفرص ما بها، وبالخليج وغير الخليج من الرساميل ما به. والمطلوب إيجاد منصات لقاء حيث يستفيد طرفان أو أكثر منها للوصول نحو المشترك.
واليوم تكاد أن تضطرب الساحة العربية بربيع عربي زاخر وبما تلاه وما سيتليه. ويدعو البعض للانتظار استثمارياً حتى سكون الأمواج وهدوء الزوابع، وبعدها لكل حادث حديث. وليس بذلك كثير فائدة إن اتبع حرفياً. ولكن ربما يشكل التقارب الاقتصادي، بداية التهدئة والطريق الموصلة إلى الاستقرار.
فلو بقت الفرص الاستثمارية العربية في الدول العربية على حالها أسيرة مخاوف وهواجس، وامتنع المستثمرون عن اغتنام تلك الفرص لشكوك وتوجس، لاستمر الحال على ما هو عليه. ولكن إن قامت الدول العربية بالانفتاح شيئاً فشيئاً، وأوجدت بيئة استثمارية تستجيب لما يريده المستثمرون وتخفف من قلقهم واستخدام أدوات التأمين على الرساميل العابرة. ولو أقدم المستثمرون بدورهم وجازفوا قليلاً لتحركت أمور وجرت مياه واستفاد الطرفان أو الأطراف المشاركون في الاستثمار. والخير يستمطر الخير والحركة تستحث الحركة. ودوام الفائدة المتبادلة يشجع الأطراف المشاركة على إعادة التجربة في مواقع أخرى وبفرص أخرى.
لقد مضى وقت طويل وخير العرب لغيرهم، واتجهت رساميلهم لدول الشمال الغنية. وقامت تلك الدول بدورها واستفادت من تراكم الأموال بها وحرّكتها لتستفيد من فرص الجنوب وبينها فرص بدول عربية لم يكن بها نفط أو كانت أقل حظا في التنمية.
اليوم تغيرت أمور كثيرة بالدول العربية وبينها مفاهيم سادت بين النخب وعبرها إلى الجماهير. كان مفهوم الاستثمار يقارب مفهوم الاستغلال، وكان تحرك الأموال صوب الفرص يقابل في كثير من الأحيان بشكوك وريبة. والمطلوب تحديث تلك المفاهيم وتطويرها لتخاطب رغبة الرأسمال المشروعة في السلامة والربح، وقلق دول عربية من أن ترتبط حركة الاستثمار بالاستغلال. وبين هذا وذاك تمتد مساحة رمادية ينبغي اجتيازها بالتجربة العملية والحس الاقتصادي والثقة في النفس.
على أن الأهم في الموضوع كله هو رؤية الصحيح والمفيد والثابت وسط هذه الفوضى السياسية العارمة. فلسنتين ونيف تظهر دول عربية وكأنها أبعد ما تكون عن الوصول إلى الاستقرار والهدوء. وفي واقع الأمر يغطي الاضطراب الحالي بها، بروز روح جديدة وظروف سياسية مختلفة، بعد سبات نوم عميق أمضت فيه الشعوب العربية العقود الأخيرة.
وستحدث تغيرات من بينها إيلاء المصالح الاقتصادية أهميتها وعدم الزج بها في معمعان الخلافات السياسية. وستظل الخلافات متجددة ولكن سبل الوصول إلى حلول حولها ستقتصر على صندوق الانتخاب، والصراع السياسي والمعارضة السلمية.
وهكذا لحظنا كيف كانت الحركة الإسلامية في تونس قد بينت في بواكير التحرك السياسي إشارتها إلى أنها ستلجأ إلى الاستعانة بالاستثمار الخليجي. وكانت إعادة الحياة إلى مشروع المرفأ المالي بها، والذي يبنى برأسمال خليجي، أولى الخطوات الاقتصادية للنظام. والمطلوب توفر الحد الأدنى وليس الأقصى من الضمانات لقدح شرارة البدء والباقي متروك للزمن، والتجربة العملية.
والأيام قادمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق