حققت قبرص تقدماً اقتصادياً في عقود ثلاثة من القرن الماضي ما قَصَرت عنه دول عربية لسنين. ثم، وعلى غير توقع، انهار ما سمي بالمعجزة القبرصية، بحيث أوشكت البلد على الإفلاس.
وكنت قد أمضيت سنة بالجزيرة، مستكشفاً دائماً أسباب تقدمها. وتحيط دول عربية بشرق قبرص وجنوبها مما يوجد عوامل تماثل. ولم يكن بالجزيرة شيء خارق يفرقها عن دول جوارها العربي. حاولت أن أفهم أدوار الدولة والمجتمع إبان انتعاش البلد الاقتصادي.
وكجاراتها شهدت قبرص حرباً انتهت بتقسيمها. وصدف أن استولى المسلمون الأتراك على قسم شمالي هو الأغنى والأجمل سياحياً وقاربت مساحته 30% من الجزيرة. وسرعان ما تحول القسم اليوناني في الجزيرة، وبدعم غربي راسخ، إلى منطقة مزدهرة اقتصادياً، وتهاوى القسم التركي إلى تخلف مريع.
ويحلل موقع السي آي إي أسباب الانهيار القبرصي الأخير. فلقد طور القبارصة اقتصادهم متمحوراً حول خدمات شكلت أربعة أخماس الناتج الإجمالي المحلي وأبرزها: التسهيلات المالية والسياحة والاستثمارات العقارية. وكان الاتساع المتزايد لقطاع العقار هو أول من استشعر الركود العالمي. وتلته السياحة فتأثرت بأزمة ببلدان السياح نفسها. ففي عام 2008 حلت الأزمة بالغرب فتناقص السياح القادمين منها، وتأثرت سياحة قبرص. وبكل الأحوال باتت علامات الوهن تبرز في مفاصل الاقتصاد القبرصي ليسجل متأخراً، عن مثيلاته الغربيات انكماشاً بقدر 1.7% و2.3% عام 2009 و2012 على التوالي.
استفادت قبرص من حدثين: الحرب اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي وانهيار الاتحاد السوفياتي في تسعينياته.
أنهت الحرب الأهلية اللبنانية ازدهار بيروت الاقتصادي، فغادرها رأسماليون ومستثمرون ومبدعون لبنانيون وعرب وأجانب إلى نيقوسيا ولارنكا في قبرص كملجأً لهم. ورافق هذا النزوح، مع دعم مالي واقتصادي من الدول الأوروبية والمؤسسات الدولية، وبالذات الاقتصادية منها، للجانب اليوناني. وفتح القبارصة الباب بحدود لضحايا الحرب اللبنانية. ولكن ما تسرب من رساميل كان كافياً ليحرك عجلة الاقتصاد في قبرص. وكان النازحون يريدون مساكن للعيش بها، ومؤسسات قانونية لاستخدامها في ممارستهم التجارية، ومدارس لأولادهم. وخلقت تلك الاحتياجات طلباً يدفع للاستثمار في بنية تحتية وفي العقار والتعليم وغيرها. وباستفادة قبرص من تلك المتغيرات، اندفعت في نشاط اقتصادي ترافق مع جذب سياحي غير مسبوق، ووجد السواح في جوها المتوسطي ما يعوض عن لبنان وسوريا. وباختصار اتقنت قبرص كيفية الاستفادة من أزمات العالم السياسية، وقلبتها فرصاً. وكيّفت وضع البلد ليستفيد من متغيرات دون فقدان التحكم أو المساس بالهوية.
ومن جانب آخر، وحين انهار الاتحاد السوفياتي ومعه دول حليفة له كانت قبرص في وضعية جاهزة للاستفادة من زحف مهاجرين تركوا بلدانهم ويفتشون عن مناطق بأطر قانونية حامية لثرواتهم وشبكة مصرفية قادرة على إدخال أموالهم في شبكة محلية قبل أن تبدأ رحلات أصحابها لمناطق أخرى من العالم. وكما استفادت قبرص من نكبة بيروت، استفادت من انهيار الاتحاد السوفياتي.
وبتراكم العوائد والأرباح قامت المصارف القبرصية بالاستثمار في اليونان بشراء ودائع أو المشاركة في استثمارات. وكان المحرك لها على الأرجح سياسياً، حيث أن يونانيو قبرص كانوا ينظرون إلى اليونان كدولة حامية لهم. وبدورهم نظر اليونانيون للجزيرة على أنها امتداد سياسي وحضاري لأصل تمثله اليونان الأم.
وحدثني رجل أعمال قبرصي عن أسباب نهضة بلده. وتمثل سبب أساس اختلفت فيه قبرص عن بلاد عربية، هو حفاظها على الملكية الفردية. ففي الدول العربية كانت الملكية الفردية تعاني كثيراً من فساد في الدولة وعن تحكم مسؤوليها في النشاط الاقتصادي، وعن وجود نظام ضرائبي غير عادل وغير كفء. وانتاب القلق أثرياء الروس وغيرهم من دول مرتبطة بروسيا أيام الاتحاد السوفييتي عن اضطراب الأوضاع بعد التغيرات. ووجد هؤلاء جميعاً في قبرص ملاذاً آمنا يوفر طريقاً لعواصم أخرى في الغرب. وفتحت الحكومة القبرصية الباب للقادمين، بتوفير بنية تحتية تستجيب حاجات تدفق أصحاب أعمال ومستثمرين روس. على أن التوقعات فاقت حجم الطلب المصاحب مما قاد إلى أزمة عقارية عانت منها البلاد. وتلاها اهتزاز الاقتصاد اليوناني، والذي كانت المصارف القبرصية قد استثمرت فيه لأربعة عقود متوالية. وبتدهور الاقتصاد اليوناني لم تجد المصارف القبرصية من يعوض عليها استثماراتها الخاسرة. وهكذا وحينما أوشكت اليونان على الإفلاس واستنجدت بمسؤولي منطقة اليورو، اضطرت للقبول بشروط المفوضية الأوروبية والمؤسسات الدولية الأخرى كالمصرف الدولي ومؤسسة النقد الدولية.
وهكذا وبينما كان اقتصاد اليابان يتآكل، جر معه مصارف قبرص إلى الهاوية.
لم يرض محللين عدة عن تزامن الانهيارين اليوناني والقبرصي. فأكد البعض أن قبرص ليست بمعجزة وإنما القبارصة هم المعجزة، وهم قادرون على انتشال أنفسهم، وتأكيد قدرتهم على تحقيق خوارق لاحقة. وتحدث آخرون أن ماحدث لليونان وقبرص إنما هو نتيجة حملة انتقام من شمال أوروبا تجاه دول جنوبية. ولكن الواقع أن ما حدث هو ابن شرعي للتجربة القبرصية. وما يثير التساؤل هو سرعة تحول الأمور: فبينما بنت الجزيرة ازدهارها النسبي على عقود، تسارع الانهيار بشكل لافت للنظر.
وحري بالخليجيين أن يبقوا قبرص في الذاكرة: يوم ازدهرت، ويوم ضربتها الأزمة ويوم شارفت على الإفلاس. فبعض أسباب تقدم قبرص تشابه بعض ما مرت به دول الخليج، وما ستمر به. ففي السياحة شبه وفي الفورة العقارية تماثل. وهناك فوارق أهمها الدور المتميز للنفط في الخليج.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق