لربما يكون الخلاف الخليجي الأميركي في علنيته هو الأول من نوعه بعد اتفاق ساد لعقود وقضى بأن تبقى خلافات الطرفين طي الكتمان وتستمر علاقتهما تستضيء بمبدأ عام: ضمان الخليجيين، وتحديداً السعودية، تدفق النفط وبأسعار يقبلها الاقتصاد الغربي، وتكون أميركا والغرب جاهزين للتدخل إن لاح تهديد عسكري قد يؤثر على جريان البترول.
وعليه ظلت دول الخليج بالنسبة لأميركا خزان للطاقة، يملكه بدوي يستلم ريع بيع النفط. وما تبقى هو إيجاد حلول لاستعادة ما يدفعه الغرب نقداً عبر وسائل مختلفة، تعرف بتدوير البترودولار.
تغيرت أمور في وضعية الخليج الاقتصادية: لا يزال النفط موجوداً ولكنه لم يعد مصدر الدخل الوحيد، وتعمل الدول الخليجية على اتباع سياسة تنويع يتفاوت نجاحها من دولة لأخرى ولكنها باتت جميعها تقتفي، بعد لأي، نهج دبي الاقتصادي.
ورغم بروز اختلافات بين الدول الخليجية على أمور كثيرة إلا أن سياسات وخطوات كثيرة تتخذ بالغالبية أو بالاجماع وتدفع لبروز تكتل اقتصادي ذي وزن كبير قد تترك خياراته أثراً على الاقتصاد العالمي والأميركي بينها.
وكمثل لاحتمال بروز تأثير سياسات خليجية وبالذات على العلاقات الاقتصادية مع أميركا ترد مسألة الوحدة النقدية. وافقت على الوحدة 4 دول ولو حدث وإن قامت ووُلدت عملة قوية تصلح لاستخدامها كاحتياطي فسيكون المتضرر الأكبر من ذلك هو الدولار الأميركي، والذي ترتبط به عملات خمس دول خليجية وجزئيا الدولة السادسة، الكويت لتبنيها سلة عملات يقاس على أساسها الدينار الكويتي.
بلغت الاحتياطيات الدولية المعلنة للعام 2012 من العملات الأجنبية 11 تريليون دولار تقريباً بينها 61 تريليون بالدولار الأميركي وهو ما يقارب نسبة 61%. وكانت النسبة بأعوام 1995 و2000، و2005 على التوالي 59% و71% و67% حيث يستمر الدولار خياراً أولاً للاحتياطيات الدولية. وتليه العملات التالية بنسب 2012: اليورو (24%) والاسترليني (4%) والين الياباني (4%) والدولار الكندي (1%) والاسترالي (1%) وعملات أخرى (3%). وأتت 782 تريليون دولار من دول مجلس التعاون مجتمعة وهو رابع احتياطي ويشمل الذهب بعد الصين التي راكمت 3,341 تريليون واليابان 1,268 تريليون والمجموعة الأوروبية 864 تريليون. ولذلك لا يتوقع لخطوات كالوحدة النقدية الخليجية أن تستقبلها أميركا فاتحة ذراعيها. فإن ولدت عملة خليجية، وهي قادمة لامحالة والمسألة مسألة وقت وإجراءات، فستشكل خياراً للدول الخليجية، ولغيرها إن أثبتت رصانة في أسواق المال العالمية، لاستخدامها كاحتياطيات نقدية.
وزبدة القول إن القوة الخليجية الصاعدة لم تعد تقتصر في سياساتها على البحث عن حقول بترول جديدة، أو لتزيد استخراج النفط من آبار قديمة باستخدام تقنيات حديثة. بل هي آخذة في تنويع مصادرها وبناء اقتصاد حديث يعتمد على بنية وموارد لا تقتصر على الموارد الطبيعية. لقد أوصلت سياسات كهذه السعودية لتمثل دول الخليج في مجموعة العشرين، ولتشكل احتمالاً للخلافات الأخيرة وتوجه أميركا لخيارات أخرى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق