نشرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) مستويات التضخم بالدول العربية للعام المنصرم. وكان الاقتصادان السوري والسوداني هما الأكثر اضطراباً. والتضخم من أمراض الاقتصادات الحديثة، المرتبطة بالتنمية المستدامة والتوسع المستمر المنطلق من أن حاجات الفرد في العصر الحديث لا تحد ولا ترتبط بمستوى أو محدد. وأن النجاح في التوسع هو المقياس لإنجازات البلدان.
وبينما تستقر اقتصادات الخليج على سطح المحور الأفقي للصورة البيانية، تلفت الإسكوا النظر إلى ثلاثة أمور. أولها إن الاقتصاد السوري تضطرب به النسب لتصل إلى 31 في المئة متزامنة مع اضطراب يقارب انهيار وشيك للدورة الاقتصادية بكاملها في بلد طالت به أزمته السياسية. ويعود التضخم إلى ارتفاع غير طبيعي في أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 46 في المئة. وهذا بمثابة تهديد للأمن الغذائي للسكان ناتج من استمرار حرب أهلية.
والظاهرة الثانية هي تضاعف مستويات التضخم في السودان للمرة الثانية على التوالي حيث يتضاعف مؤشر الربع الثالث مقارنة مع الربع الثاني ليستقر عند 9 في المئة. ويبرز عدم الاستقرار السياسي بالسودان، وإن كان أقل حدة من الظرف السوري، كعامل أساس خلف ذلك.
وتهدأ معدلات التضخم في لبنان والعراق بين 1.3 و0.2 في المئة وهو مستوى يكاد أن يهوي ليعكس انكماشا في الاقتصاد. وتتراوح معدلات نسب التضخم في السعودية والكويت وقطر والإمارات بين 0 و1 بالمئة. والقليل من التضخم مقبول وليس كله بسيء، وإنما الكثير منه هو المضر. وابتعاده عن السيطرة، هو ما ينظر إليه راسمو السياسات بقلق.
ويمكن لدبي أن تعكس بعض حالة الاقتصاد الخليجي، فبعد سنوات من حرائق أشعلتها دوائر غربية لتطوّق دبي، شهدت الإمارة تحسنا في اقتصادها وميلاً متصاعدا للتوسع. والمؤشرات على الازدهار كثيرة وأبرزها تجاوز مسألة تمويل بناء برج خليفة، وافتتاح شبكة مواصلات الأنفاق، وحصول دبي على حق استضافة الإكسبو 2020. وتم ذلك وسط سنوات أزمة 2008 وما بعدها. وتحتوي دول الخليج على مظاهر نجاح مشابهة وعلى تفاوت.
ورغم الإختلاف الذي أحاط بالدول الخليجية في السنوات الثلاث الماضية حول بعض أمور: كالعملة الموحدة والموقف من التطور من التكتل الاقتصادي إلى الاتحاد السياسي، وآخرها أزمة سحب سفراء دول الخليج في قطر، فالملاحظ أمران. الأول: أن جميع الدول الخليجية أكدت الحاجة إلى مزيد من الخطوات الاقتصادية واللوجستية تسبق الأمور المختلف عليها، ولم تؤد تلك الخلافات إلى انزواء وتوجه للأعضاء لمغادرة سفينة مجلس التعاون. والثاني: بروز المجلس كمظلة يمكن الاختلاف تحتها وحولها والتوصل لاتفاق جديد تحت ظلها.
وعموماً فاقتصادات الخليج أصبحت جاذبة للاستثمارات، مقارنة بجوار لم يجد طريقه للتجمع الإقليمي في زمن التكتلات الاقتصادية. وأصبحت السياسات الخليجية بدورها مثالا يحتذى في كيفية التطوير الاقتصادي. وهو تطوير ولا يعني خُلُوا من المشاكل وإنما يتضمن آلية لحلها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق