... يومها كنت في البيت أعمل على بحث بين يدي. كان نصف عائلتي في أميركا، وكانت زوجتى على وجه التحديد في نيويورك ورَسَمَت أن تسافر يوم 11 سبتمبر من هناك في طريق العودة، ثم قررت في آخر لحظة أن ترجع عبر شيكاغو. كانت قد ذهبت لترتيب أوضاع إبني عمر للدراسة في جامعة شيكاغو. وبأية حال تسبب ذلك في أن تعْلَق في أميركا لسبعة أيام إضافية على إثر الأحداث.
كان يوم ثلاثاء، وانغمست في تفاصيل بحثي: إدخال المادة على الحاسوب والعودة لمصدر هنا، أو التأكد من معلومة هناك. وجرت عادتي أني أستبقي مشاهدة التلفزيون للإستراحة بين محطات العمل. على غير المتوقع لم أفتح الجهاز يومها.
في منتصف النهار رن جرس الهاتف، وكانت زوجتي تسأل لماذا لم أتصل بها؟ استغربت المكالمة توقيتاً ونبرة، لكوني أعرف أن وصولها يومها سيكون متأخراً لأن موعد مغادرتها سيكون عصراً بحسب زمن الولايات المتحدة ويضاف لذلك فرق التوقيت. فسألتها مازحاً، إن كانت قد وصلت للمطار؟ فعرفت زوجتي أني غير دار بما جرى وطلبت أن أفتح التلفزيون. فعلت، وإذا بالجحيم ينطلق من الشاشة. كانت الحقيقة أكبر من أن تصدق، وبدا المشهد كما لو أنه من حبكات هوليود السينمائية.
التصقت بالكرسي أشاهد، وفي لحظة أمسكت بالهاتف، وكان أول من اتصلت به صديق عماني، فتبادلنا بعض الملاحظات، وعدت لما عاد إليه مئات الملايين عبر الكرة الأرضية: التجمد أمام جهاز التلفزيون.
تداخلت أزمتان معاً: الأزمة المعقدة التي دخلت فيها الإنسانية منذ الساعات الأولى ليوم الثلثاء ذاك، والمشكلة الخاصة التي تمثلت في انحشار زوجتي في الولايات المتحدة بعد أن ألغيت الرحلات، وتوقفت المطارات، وأقفل المجال الجوي هناك. وأضيف إلى كل ذلك وجود قريب لها وشخصية وطنية بحرينية معروفة هو جاسم محمد فخرو كان يعاني من مرض صعب أودى بحياته في تلك الأيام، وتطلب الأمر وجود أخيه معه، وفاقمت مشكلة الطيران من إمكانية الوصول إليه. فيما بعد، استقل أخوه السيارة للوصول، وانتقل جاسم إلى يد بارئه، ورتبت عملية نقل الجثمان للبحرين. ثم تمكنت زوجتي من المغادرة بعد سبعة أيام قضتها في أميركا.
واليوم وبعد مرور سبع سنوات يقف المرء ليستعيد شيئاً من تلك الأحداث، وليرى إن كانت هناك نتائج ليستفاد منها. وهذا عمل ما انفك الملايين من البشر يقومون به، ومئات المؤسسات البحثية تستقصي فيه كل جوانبه. وهذا ما يجعل المرء في شدة تواضع بما يمكن أن يدلي به.
على أن ذلك الأمر واجب على الفرد القيام به، بقدر ماهو حقه بالمقابل.
ربما كان ما جرى بنيويورك هو الحدث الأكبر عن توحد العالم بمجمله، كانت نقطة العولمة الأبرز، وبات بمقدور أي فرد، بأي بقعة، أن يشهد ولادة الإنسان العالمي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق