الثلاثاء، 25 سبتمبر 2007

جزيرة السّاية ... وما كان بين عمان والبحرين

قرر رئيس وزراء البحرين في نهاية الأسبوع الماضي أن يحافظ على السّاية، وهي جزيرة صغيرة يقطعها من يحط عليها من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق في أقل من دقيقة. ومع ذلك تحتل تلك الجزيرة أهمية كبيرة في تاريخ البحرين، ولربما عمان أيضاً.

تقع الجزيرة إلى الشمال من المملكة، وفي الأيام الخوالي حينما لم تكن هناك أعمال ردم في البحر وما تقاربت المسافات، كانت الساية تقع بعيداً من أقرب الجزر المأهولة إليها وهي جزيرة المحرق، فيركب الناس إليها السفن للوصول إليها. وكان بها شيء من التشكيل الصخري، وصفته الناس بأنه أثر لرجل من أولياء الله، فأضحت الجزيرة مزاراً دينياً، يقصده الناس ويقومون أثناء بقائهم بها ببعض طقوس دينية مثل كسر البيض وغيره طلباً للتبرك. إلا أن أهمية الجزيرة تمثلت أساساً في احتوائها على نبع ماء حلو كانت تقصده الأطراف المتحاربة للتزود بالماء تفادياً لطلبه من الجزر الأم نفسها.

ومن هنا مرت سفن كثيرة بقربها أو تزودت من مائها أو منعت منه، ومن بينها سفن سلطان بن أحمد البوسعيدي. والتقى البحرينيون والعمانيون في القرون الخوالي حواليها صراعاً وتعاوناً واقتتالاً وتفاوضاً واتفاقاً.

وظلت الجزيرة كعين للتاريخ تحتفظ بذاكرة الأيام.وكان قرار المحافظة عليها محاولة لانقاذها من كواسر أحاطت بها من كراكات الهدم وآلات الردم تريد أن تزدردها في غفلة من الزمان وتمحوها وإلى الأبد من المكان.

وكانت هذه الأحداث وتاريخ البحرين وعمان المشترك موضع حديثي مع مؤرخين عمانيين أفاضل. واقترحت حينها أن نستعيد مسيرة الأيام، بأفق جديد وبنظرة مختلفة، فنؤرخ لها عبر تلاقي البلدين، وعبر تأكيد التعاون بينهما كلاعبَين في صنع التاريخ البحري الحديث: وشهدت مياه الخليج لقاء أساطيلهما، وتبادلت تلك الأساطيل القدوم لسواحل كل منهما. وكانت الآراء العمانية مشجعة.

مضت أيام القرون الماضية بمصاعبها وصداماتها وتحالفاتها وبحلوها والمر، وتركت لنا سرداًً مشتركاً مجيداً، يتطلب منا أن نعيد بناء معانيه في أيامنا ولها. وهو ما يتطلب من المؤرخين المعاصرين التفكير به والإتيان بآراء تفتح الباب أمام وشائج بين البلدين على مختلف الصعد.

ويتوجب على مؤرخينا أن يفكروا بأمر آخر تطرحه تلك الجزيرة الصغيرة الرقيقة التي صمدت لآلاف من السنين، وكادت أن تفقد وجودها أمام أعمال الإنسان الحديث غير المتوازنة. فهي تطرح على الإنسان الخليجي مسألة كيفية الحفاظ على ما خلفه الماضي من آثار مرهفة الحس والقوام، يتطلب الحفاظ عليها جهداً كبيراً وتصميماً قوياً وإلا فإنها ستضيع أمام قوى التحديث والعولمة الحتمية. لا يمكن توقيف تلك القوى، ولكن يمكن التفاعل معها والاستفادة منها، وتسخير أدواتها للمحافظة على التراث بدل رؤية مابينهما تناقضاً وتناحراً. فتضحي معاول التحديث والعولمة، أدوات بناء وليس هدم وإزالة. وهذا واجب المؤرخين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق