الأحد، 30 سبتمبر 2007

عبدالناصر والترانزيستور والأستاذ العماني

لا يرتبط عبدالناصر وعمان في ذهني بشيء كمثل صورة أعتقد أن صحيفة «المصور» المصرية قد نشرتها في ستينيات القرن الماضي لراعي أغنام هو على الأرجح من عمان وقد علّق مذياع ترانزيستور في رقبة عنزة من أغنامه، تصويراً لمتابعة العرب للإذاعات المصرية. إلا أن الصورة قد عبرت  بدورها على أفضل ما يكون عن عصر المعرفة الذي دخل فيه العالم مع حلول منتصف القرن الماضي، ووسائل الإعلام المتاحة التي باتت في متناول البشر، وحتى العاديين منهم. كان شراء مذياع ترانزيستور وبضع بطاريات يكلف أقل من عشرة ريالات عمانية بالصرف الحالي، فيربط المرء نفسه بعواصم العالم كلها. وعى عبدالناصر أهمية هذا العامل الجديد فاستفاد من قدرات الإذاعة المصرية وأضاف إليها المحطة التي ستضحي أشهر المحطات العربية، وسلاحه البتّار، ألا وهي محطة صوت العرب. وكان لدينا نكتة في البحرين، لربما كانت موجودة بأكثر من بلد عربي تقول بأن فلاناً ذهب ليشتري مذياع ترانزيستور مشترطا على البائع أن يستقبل الجهاز صوت العرب.

وصدف أن تزامن وجودي في مؤسسة تعليمية في الصحراء مع وجود أستاذ عماني اسمه عبدالله، أطال الله في عمره، وكان يمتلك مذياع ترانزستور يحمله معه أينما ذهب في كثير من الأحيان، وكان وجود هذا الراديو بمثابة فائدة كبيرة حيث أنه وسيلة اتصال أساس لنا مع العالم الخارجي. وكان المطرب المفضل لعبدالله هذا هو فريد الأطرش.

وعودة على الموضوع وهو ذكرى عبدالناصر، فإنه وإن كانت تجاربه الوحدوية موضع جدل دائم، إلا أن من أهم ما قام به هو توحيد العالم العربي حول جهاز الراديو سياسياً أو فنياً.

وهكذا وبغض النظر عن اتفاقك أو اختلافك مع الرجل، فقد كانت هناك وقفات إذاعية لا يمكنك تجاهلها: خطب عبدالناصر في المناسبات السنوية مثل يوم عيد العمال في أول مايو، ويوم الاحتفال بثورة 23 يوليو. ثم هناك صفحة محمد حسنين هيكل التي تنشر في الأهرام يوم الجمعة وتذاع من القاهرة مساء ذلك اليوم. ومن الناحية الفنية فهناك الحفلات الشهرية لأم كلثوم في أول كل خميس من كل شهر وهناك حفلات شم النسيم في أبريل من كل عام.

قبل ذلك كانت بريطانيا قد وعت أهمية الإذاعات واستخدمت البي بي سي لذلك، ولكن ارتبط ذلك كثيراً بوجود الأجهزة الكبيرة: تجدها في بيوت التجار ولربما في المقاهي. ولكن انتشار الترانزيستور وتدني أسعاره، جعله بمثابة أداة تحرر فردي، يشبه في بعض جوانبه، الهاتف النقال.

استخدم عبدالناصر هذه الوسيلة الجديدة بأوسع ما يكون، قائماً في الوقت نفسه، بتوحيد جمهور يمتد من المغرب حتى البحرين حول المذياع، ليتفق بعدها المستمعون أو يختلفوا، بشأن ما يسمع. ومن لم تربطه السياسة تكفل الفنانون المصريون حينئذ بإكمال عملية إدخاله لدائرة المعارف السمعية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق