تتداول الروايات البحرينية فيما يتعلق بأول إحصاء خليجي للسكان جرى بالبحرين عام 1941 قصة خاطر وبسّوس. ترافق الإحصاء مع رغبة الدولة في إصدار بطاقات تموين لتنظيم توزيع المؤن أيام شحتها بالحرب العالمية الثانية. وكعادة أهل البحرين توجسّوا شراً من نية الدولة في القيام بالأمر، وقالوا إنما ذلك مقدمة لتجنيدهم للقتال في الحرب. مرّ الإحصائيون على الناس ومن بينهم العماني خاطر صانع الحلوى، وسألوه عن عدد الساكنين معه في محلته، مما عدّه خاطر تدخلاً في خصوصياته، فقال لهم: لا أحد غيري أنا وبسّوس فهل تريدون أن أوقظها لكم؟ فخجل الإحصائي ظناً بأنها زوجة الرجل وأجاب بالنفي. وبعد أيّام استلم خاطر بطاقة تموين لإثنين له ولبسّوس.
وما كانت بسّوس سوى قطة أوكل إليها خاطر أمر التخلص من الفئران التي كانت تجد في ذخيرة الرجل من مواد إعداد الحلوى والحلوى نفسها، ما يغريها بالبقاء في الجوار. وتستمر الرواية في القول أن خاطر لم يصحح الخطأ، وإنما استفاد من التسهيلات التي وفرتها له البطاقة. إلى هنا وينتهي الحديث عن تلك القصة. وإنما أوردتها للإشارة إلى حركة الهجرة التي شهدتها منطقة الخليج في القرن الماضي ولا تزال مستمرة، وكانت تغري أفراداً وجماعات من بلد خليجي بالانتقال منه لبلد آخر وهو موضوع حري بالدراسة. ويدهش المرء أحياناً من المعلومات التي ترد إليه أحياناً. وعلى سبيل المثال فقد أدت حركة الكساد التي حلّت بالبحرين في ثلاثينيات القرن الماضي لهجرة بحرينيين عديدين اختار بعضهم عمانا للسكن. وروى لي أحمد جمعان، وهو من مقاولي البحرين الأوائل، بأن أخاه كان أحد هؤلاء فألقت به المقادير في مدينة الرستاق. وبعد ردح من الزمن وصلت إلى أحمد جمعان رسالة من والي الرستاق تقول بوفاة أخيه ودفنه هناك، والطلب إليه القدوم للمدينة لتسلم ما بقى من إرث له. فانتقل أحمد إلى مسقط حيث أعطيت له رسالة يحملها في الطريق معه، ولم يكن الدرب سهلاً حيث كانت الدواب هي الوسيلة الوحيدة، فقضى وقتاً طويلاً قبل أن يصل إلي المدينة، واتصل بواليها الذي حدثه عن أخيه وأيامه الأخيرة، وأبلغه بشحة ما ترك، على أن تحرّج الوالي وورعه أرغماه أن يكتب إليه ليوصل التركة بأية حال. وكان المتوفي قد عمل في المتاجرة في الأقمشة، وترك القليل من الأمور ورائه، فاستلمها أحمد، وتنكّب رحلة العودة الصعبة مرة أخرى. وبالطبع لربما كان أخاه هو أول البحرينيين الذي يعملون في الرستاق ويبقوا بها حتى نهاية حياتهم ليقبروا بها، ويقيموا رابطاً بين البلدين لم يكن ليخطر على البال.
يشير هذين المثلين إلى تلك الحركة التي كانت قائمة في الخليج في أيام بساطته، وهو على وشك الدخول في عالم التحديث، ولربما اكتشف الباحثون بها أموراً مفيدة لو تتبعوها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق