الأربعاء، 26 ديسمبر 2007

اللبان والنفط وعصر جديد

تشابه إنتاج اللبان (ومعه المر) مع انتاج النفط في أشياء واختلف في أمور. تشابها في وجود طلب عالمي عليهما في القديم وبالزمان المعاصر. فلقد احتاجت المعابد القديمة والطقوس الدينية وعمليات تحنيط الموتى في مصر إلى اللبان والمر. واستمر هذا الاحتياج حتى بعد بروز المسيحية حيث أن بعض الكنائس أدخلت استخدام البخور ضمن طقوسها، ولا تزال. شكّل اللبان بالتالي سلعة مقدسة لا يمكن الاستغناء عنها. وكانت النبتة عصية على الاستزراع في مناطق أخرى، واختصت اليمن والجوار بجو يسمح بنموها. على أن النتاج الأفضل كان يأتي من ظفار.

أرادت ظفار أن تبقي الأمر طي الكتمان أولاً، وأن تفرض على نطاقها الجغرافي عزلة لنفسها ولشعبها ولقرون عديدة. كان الثراء المحلي أكثر من كاف. كما أن الطبيعة الجبلية الوعرة أفادتهم في إيجاد حماية طبيعية من جانب، وفي تربية السكان على حياة قاسية تفيدهم في الدفاع عنها. واتفق ذلك مع قيام الممالك اليمنية إلى الغرب من الإقليم، والتي بدورها رضت بالقيام بدور الوسيط التجاري. واستمر مجرى الأمور تلك بتوافق مقبول من سائر الأطراف.

حاولت الدول المستهلكة، وأوروبا بالذات أن تقوم بحملات بحرية وبرية لكسر الاحتكار لهذا المنتوج ولكشف سره. بدأت بمحاولة تتبع الطريق المشهورة بطريق البخور والذي يمر من جنوب الجزيرة إلى شمالها ليتفرع إلى الشرق والغرب. وحاولت دول أخرى مثل الدولة البطلمية في مصر أن تغيّر من الطريق البري إلى الطريق البحري. نجحت بعض تلك المحاولات، وأدت إلى القضاء على دول عربية في الشمال مثل دولة الأنباط ودول يمنية متعاقبة في الجنوب، على أن تلك المحاولات لم تنجح للوصول لمواقع اللبان وكشف سره.

ساعدت الأمطار واكتساء جبال ظفار بنطاق أخضر في إيجاد مراع منتظمة شحّت في بقاع أخرى من الجزيرة العربية، فأضافت إلى الرخاء الذي تمتع به سكان الجبال، ووفر لهم عوامل أخرى للحفاظ على استقلالهم وبقائهم بعيداً عن الكثير من مجريات الأحداث في باقي مناطق الجزيرة العربية.

ثم كان يوم. تفجّر البترول في البحرين عام 1932، وكانت أولى دول الخليج. حينها كان البحرينيون يعيشون أجواء رخاء ثان لوجود اللؤلؤ في بحرهم، ولانخراطهم مبكراً في أعمال النشاط البحري.

ولكن كان هذا الثراء شيء وما أتت به شركات البترول شيئاً آخر. اندفع البحرينيون للعمل في شركات البترول، وانضاف إليهم خليجيون آخرون إن كان للعمل في تلك الشركات أو بفتح أراضيهم لاستكشاف النفط. ومع دخول الخمسينيات من القرن الماضي، اندفعت أعداد كبيرة من مختلف مناطق عمان وبما فيها ظفار للعمل في مناطق الخليج في مجال النفط أو في الأعمال الحكومية الأخرى التي ازدهرت بتزايد الموارد.

فكان فجر عالم جديد.

بالمناسبة شهدت البحرين في الأسابيع الماضية احتفالات واسعة بمرور ثلاثة أرباع القرن على تفجر النفط بها، وبالخليج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق