أطلق المجلس الوزاري لمجلس التعاون بدورته 118 مشروع «برنامج التنمية الخليجي» لعشر سنوات بقيمة 20 مليار دولار لتغطية الإسكان والبنى الأساس والوظائف. وسيخصص نصف المبلغ للتنمية بعمان والآخر للبحرين، على أن تُشكل بأسبوعين لجنة لتحديد آليات للمشروع.
أثبت مجلس التعاون بدورته الوزارية بأنه أحد أهم أدوات استحدثتها دول الخليج لتشكيل كتلة اقتصادية وسياسية دون أن يكون ذلك على حساب تمايزاتها الوطنية، وتاريخ دولها الموغل بالقدم، ولكي تطل على العالم الحديث، وتسهم فيه، وتحفظ أمنها ومصالحها الاستراتيجية.
وحين بدأت الدعوات لإقامة اتحاد تساعي بالخليج مع قرب الانسحاب البريطاني بنهاية ستينيات القرن الماضي، تأزمت الخطوات وانتهت الأمور لقيام اتحاد سباعي هو الإمارات العربية المتحدة واستقلال قطر والبحرين. تسرب قلق بأوساط عديدة من هذه النتيجة، لأنها أدت للحفاظ على انقسامات بعهد يتطلب التكتل، وكشفت مخاطر تهدد إحدى أغنى مناطق العالم دون امتلاكها لكيان قادر على الدفاع عن أرضها وسكانها قبل ثرواتها.
بأقل من عقد من الزمان برز مجلس التعاون ليس ليعيد الاعتبار لمحاولة توحيد الكيانات الثلاثة فقط وإنما أيضا ليضيف لها ثلاث دول هي عمان والسعودية والكويت. ظهر الكيان الجديد بعد نصف قرن من محاولات عربية وحدوية فاشلة تركت المرارة والقنوط بنفوس ساسة وأحزاب ورجال فكر كما أشاعتهما بأوساط جماهيرية واسعة. وعبر تلك المحاولات، واستفادة منها ومن تجارب عالمية حاول المولود الخليجي الجديدة أن يكون متواضعاً بطلباته، عملياً في خطواته، منتظماً باجتماعاته.
وبعكس محاولات عربية عديدة لم تنجح اختار الخليجيون البدء من الاقتصاد كمدخل للوحدة، وليس السياسة. واستمر الاقتصاد هو القائد والمحرك وعلى رأس جدول الاجتماعات. ولكن ذلك لم يستثن محطات سياسية وعسكرية هامة وأبرزها تلك التي برزت بحروب اندلعت بالخليج بالعقود الثلاثة الماضية.
وبالاجتماع الأخير استمر إعطاء الاعتبار للاقتصاد كما لم تشهده من قبل أية محاولات عربية. إذ أحست الدول الأعضاء بالآثار التي قد تكمن باضطرابات قد تتصل بالاقتصاد، وتؤدي معالجتها لنتائج استراتيجية تتعلق بأمن واستقرار كل دولة على حدة، ومنها على التكتل الإقليمي بمجمله.
وقبل ثلاثة أيام وبنفس الدورة الوزارية ولكن بأبوظبي، خاطب الأمين العام للمجلس عبدالرحمن العطية الحضور فأشار إلى أن مجلس التعاون بات يشكل قوة تفاوضية دخلت بمحادثات اقتصادية وتجارية مع دول ومجموعات اقتصادية أسهمت بتقرير علاقات دول المجلس مع تلك الدول وتعظيم مصالحها الاقتصادية والتجارية.
وأضاف أنه بالعمل الاقتصادي المشترك حدد المجلس بثلاثين عاماً خطوط العمل الاقتصادي العريضة وأهمها بنود اتفاقية اقتصادية تؤمّن إقامة وحدة اقتصادية أهلياً وحكومياً وهو ما كرسته انطلاقة السوق الخليجية المشتركة عام 2008، وقبل ذلك الاتحاد الجمركي في 2003.
وبلغة أرقام تُظهر واقعاً جديداً يبدو أن تراخيص ممنوحة لمواطني دول المجلس التعاون لممارسة أنشطة اقتصادية ومعنوية وحرفية بغير دولهم بلغت حوالي ثلاثين ألف رخصة. وزاد مساهمون من مواطني دول المجلس بشركات مساهمة بدول أعضاء أخرى على 650 ألف مساهم. واستفاد خمسة عشر مليون مواطن خليجي سنوياً من قرارات تسهيل التنقل بحركة يومية عززت السوق المشتركة وترابط المصالح.
ووسط هذا النشاط الاقتصادي يبرز مشروع التنمية الخليجي على أنه الحدث الأساس، ولربما سيدوّن التأريخ المستقبلي أن تشكيله لم يكن ليقل عن حادثة قيام المجلس نفسه. فها هنا تحملت الدول الأربع مسؤولية اقتصادية تجاه بعضها البعض، وحملت عبء بعضها البعض، وخاصة أبان أزمة.
ولقد استغربت بعض جهات تلك الوقفة، وأشارت ضمنا بأن ذلك يشكل تدخلاً بأمور داخلية للبلاد المعنية. وسارع ولي عهد البحرين فأحال أحد المستنكرين لما حدث بالسوق الأوروربية المشتركة حين تحملت الدول الأوروبية مسؤولية مواجهة مصاعب اليونان وأوجدت الحلول لها للخروج من أزمتها. فكيف لم يجد العالم ما يبعث على الاستغراب بالحالية اليونانية ويتساءل عن مظهر لتضامن خليجي. وتتشابه المجموعتان الخليجية والأوروبية بانتماء كل منهما لتكتل إقليمي.
بقيت الآن واجبات الدولتين اللتين ستتلقيان الدعم حيث ستتحملا متطلبات لا تقل أهمية ومسؤولية عما قامت به الدول الأربع. أولى الواجبات هي أن تُلَف بالشفافية مسيرة الصندوق الخليجي للتنمية منذ خطواته الأولى وحتى صرف آخر دولار بالعشرين مليار دولار والوقوف أمام بنود الإنفاق كلها بروح المسؤولية والمحاسبة. وهذا الأمر ليس مهماً أمام هيئات المجلس الرسمية بالأساس، بل لشعوب المجلس وتطلعاتها المستقبلية.
ثانيها: ضمان أن تتجه تلك الأموال لمصبات تنموية حقيقية وتبتعد قدر الإمكان عن الهدر الإستهلاكي. فهي ليست مبالغ للمساعدات الاجتماعية بل هي مقدر لها أن تتجه للقيام بمشاريع تخلق وظائف وترفع مستوى معيشة وتزيد من كفاءة العمالة المحلية.
ثالثاً: وصفت تلك الأموال تجاوزاً بأنها «مشروع مارشال» خليجي. والمقصود مشروع أطلقه وزير الخارجية الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية جورج مارشال بقيمة 13 مليار دولار أيام كان الدخل القومي لأميركا يبلغ 258 بليون عام 1948. ولقد استمر المشروع بين 1947-1951، وقصد به إنعاش الاقتصادات الأوروبية التي هشمتها الحرب. وشكّل المشروع أساس نهوض اقتصادات أوروبا الغربية بمواجهة دول أوروبا الاشتراكية التي بدأت تشهد تقهقراً تدريجياً. والمتوقع بالطبع أن ينهج مشروع التنمية الخليجية طريقاً يشابه أو يتفوق على مشروع برز قبل ما يزيد على الستة عقود.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق