في لقاء لي مع وكيل وزارة المواصلات بالبحرين الشيخ محمد بن خليفة بن علي آل خليفة قال بأن هناك توجهاً للقطاع الخاص الكويتي للمساهمة ببناء مترو الكويت، وأن أحد ممثلي هذا القطاع أبدى الاستعداد للبدء فوراً مؤكداً بالوقت ذاته أنه لن يتوقف طويلاً أمام إنفاق أول عشرة ملايين دينار كويتي.
وقبل سنتين كنت بزيارة لإيران ضمن وفد إعلامي بحريني وأثناء انتقالنا بالحافلة بين إصفهان وقم على طريق سريع توقفنا عند بوابة لدفع تعرفة استخدام الطريق. وقال لي مرافق الوفد إن نقطة الجمع ليست تابعة للدولة وإنما هي للقطاع الخاص. وأضاف بأن الدولة بنت الطريق وسلمت أمر جمع ضرائب استخدامه للقطاع الخاص، على أن يتحمل القطاع صيانة الطريق.
ويستثير المثلان السابقان الجدل الدائر والمتنامي بالخليج حول إمكانية أن يسهم القطاع الخاص الخليجي بمشاريع البنية التحتية وتلك المتعلقة بوسائل النقل على نحو خاص، كيف يمكن جعل انخراطه أمراً جاذباًَ وعادلاً ومرتبطاً أيضاً بالمراقبة والمساءلة والمحاسبة. وبالعودة للقائي مع الشيخ محمد فقد عاد وأكد لي ما بات واضحاً لدى الجميع وهو احتياج الحكومات للقطاع الخاص لتنفيذ خطط التنمية وأن عصر الوفرة المالية المطلقة أصبح من الماضي. وأن دور الحكومات بات ينحو أكثر نحو إيجاد أرضية، وخلق حوافز وتقديم التسهيلات التي يمكن من خلالها للقطاع الخاص أن ينشط.
الظاهر أن منطقة الخليج مقبلة على مرحلة تدفع عواملها المختلفة لزيادة البنى التحتية الإقليمية في مجال المواصلات. وحتى الآن تقل الشبكات المقامة كماً وكيفاً عن احتياجات المنطقة. ولكي تستفيد الحكومات من ميزانياتها التي تتعرض للضغط بفعل متطلبات الدوائر المختلفة ومتغيرات الدورات الاقتصادية صعوداً ونزولاً، فإنها يجب أن تستخدم دور الدولة المحوري بكفاءة وبأقل قدر من الهدر. ولذلك ستضطر للعمل جاهدة لجذب القطاع الخاص، وإيجاد الوسائل التي تجعل من إقدامه على المخاطرة، أمراً محسوب النتائج وبالتالي وذا مردود قدر الإمكان.
وتكاد مشاريع البنى التحتية أن تكون مشاريع جاذبة وذات ميكانيكية بسيطة ومباشرة بالدفع واستعادة الكلف وتحقيق الأرباح. فهي ذات ربط مباشر بين المستهلك للخدمة وبين قيامه بدفع كلفة الاستعمال. وأبسط الأمثلة المحسوسة خليجياً هو جسر الملك فهد بين البحرين والسعودية، فالمجتاز للجسر يدفع مبلغ 4 دينار بحريني ذهاباً وجيئة، وهو مبلغ ليس بالقليل ولكن المستهلك يقبل دفعه إزاء حصوله على وسيلة حديثة ومريحة وسريعة للربط بين البلدين. ويمكن للتجربة أن تتكرر وأن تدمج معها التجربة الإيرانية، والتي على حد علمي هي الأولى من نوعها بالعالم.
فماذا لو استحدثت طرقات عديدة ووسائل للنقل بين مختلف مناطق مجلس التعاون وأشرك القطاع الخاص بالتشييد أو بأعمال الصيانة لقاء القيام بالتحصيل ولمدد محددة.
ولقد أثرت موضوع التجربة الإيرانية مع أحد المسؤولين بطهران حينها فشرح لي وجهة نظرهم فقال بأن الحكومة الإيرانية تود أن تشجع التجارة والتجار وتعتبر ذلك واجباً دينياً وواجباً إزاء المجتمع ، وهي تحاول قدر الإمكان التخلي عن أية أدوار لها يمكن للقطاع الخاص أن يقوم به ويستفيد منه.
وبالعودة للمثل الكويتي فإن مشروع المترو يستجيب لمتطلبات المواطن الخليجي للحصول على وسيلة نقل جماعي نظيف وسريع ومناسب وبكلفة ضمن المتناول. وهي شروط تفتقد إليها وسائل النقل الداخلي في عديد من العواصم الخليجية. وهو يستجيب بشكل خاص للاكتظاظ الكبير الذي تعاني منه تلك العواصم نتيجة لزيادة تملك وسائل النقل الفردي بشكل غير مسبوق وغير متوقع. وباتت تلك الزيادة تعيق الحركة اليومية وتنال من الإنتاجية وتضغط على مراكز العواصم حيث مؤسسات الدولة والنشاط الاقتصادي اليومي.
ولذلك وعى القطاع الخاص الكويتي أن المترو باستجابته لكل تلك المسائل يشكل بذلك مشروعا مربحاً، محسوب المخاطرة وقابلاً للتطبيق. وشكل الحوار بين الجانبين الحكومي والخاص جزءا من اتجاه يتبلور في منطقة الخليج في السنوات الأخيرة باحثاً عن نقاط اللقاء المشتركة ووسائل التطبيق.
وتأكيدا على أهمية التعاون بين القطاعين والخاص والحكومي شهدت العاصمة البحرينية ببداية شباط (فبراير) 2011 اجتماع اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) التابعة للمجـلس الاقتصـادي والاجتمـاعي للأمم المتحدة والذي خصص لتباحث خبراء بشأن تمويل مشاريع البنى التحتية للنقل. خرج الاجتماع بدعوة الدول الأعضاء التي لم توقع أو لم تنضم بعد إلى اتفاقيات الأمم المتحدة الدولية للنقل بالمشرق العربي للإسراع في عملية الانضمام من أجل تحقيق التكامل الإقليمي والبداية في تنفيذ نظام النقل المتكامل المنشود. وطلب اللقاء من الدول الأعضاء الأخذ بالاعتبار ضرورة البدء والاستمرار بتنفيذ بنود اتفاقيات النقل الدولية ودعوة القطاعين العام والخاص في الدول الأعضاء للمضي في الشراكة بينهما من أجل العمل على تنفيذ بنود الاتفاقيات لا سيما المتعلقة بالبنى التحتية. كما طلب اللقاء من الدول الأعضاء وضع الأطر القانونية والمؤسسية التي من شأنها تشجيع ودعم شراكة القطاعين العام والخاص.
تبقى مسألتين تتعلقان بمسألة تمويل وسائل النقل. الأولى هي جودة التنفيذ ليس في إقامة الطرقات ومد السكك الحديدية وإنما بإيجاد الخدمات اللازمة بتلك المرافق وبما يتناسب مع مستويات المواطن الخليجي وتقاليده.
ثم هناك مسألة أن يبقى الوعي، وعلى الدوام، بأن محرك القطاع الخاص هو الربح، ويجب أن يوجد المجتمع أدواته لمراقبة عمل المؤسسات المنفردة للقطاع الخاص.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق