اختار منتدى التنمية الخليجي، بلقائه الثاني والثلاثين بالمنامة بنهاية الأسبوع الماضي، مسألة التعليم ومخرجاتها وارتباطها بأمرين: احتياجات الاقتصاد وسوق العمل على وجه التحديد، والهوية الثقافية.
وتتلازم هاتان المسألتان بنحو خاص بمنطقة الخليج. فمن جانب أوجدت الثروات البترولية الموزعة بمنطقة الخليج ازدهاراً غير مسبوق في منطقة عانى أبناؤها لطبيعتها الصحراوية القاسية من شظف العيش فبرز طلب اقتصادي غير هائل لخدمات لم تكن المنطقة مهيئة له سكانياً عدداً وإعداداً. ثم تضاعف ذلك الطلب مرات حين نحت الاقتصادات الخليجية للتنويع والتنمية بمقاييس دولية. وشكّل كل ذلك ضغوطات هائلة على المؤسسات التعليمية المحلية. ولكنه أدى بنحو خاص إلى بطالة غير متوقعة في أوساط السكان الأصليين بسبب عدم امتلاكهم لكفاءات يتطلبها سوق عمل انفتح على حين غرة على أسواق إقليمية وعالمية يقدّم المنتمين لها خدمات بما لم يتأتى لأبناء المنطقة من المنافسة فيه. ووسط نجاح خليجيين كثيرين في الاستفادة من التوسع الاقتصادي المتنامي، اضطرت أعداد كبيرة من السكان إلى الاعتماد على المساعدات الاجتماعية، والقبول تحت وطأة العادات الاجتماعية والتقاليد المحلية إلى الوقوع ضمن بطالة مقنعة لا تجد طريقها إلى قوائم وزارات الشؤون الاجتماعية.
حددت الباحثة الإماراتية آمنة خليفة في ورقة قدمتها للمنتدى شروط تحقق أهداف مخرجات التعليم العالي أولها طليعيتها إقليمياً وعالمياً ابتكاراً وإبداعاً، وثانيها دعمها للاقتصاد وتنويع مصادر دخله. وثالثها إعلاؤها للبحث العلمي لدعمه لاقتصاد المعرفة والابتكار والتنافسية العالمية. ورابعها ترسيخ علاقة بين التعليم العالي وسوق العمل.
ثم جردت الباحثة خمس مناح تصف طبيعة تلك المخرجات. فهناك الابتعاد المتزايد لمرجعية الدولة ونفوذها الاقتصادي والسيطرة المتزايدة لمؤسسات الخصخصة وآلياتها. ويليها مدى خضوع الجامعة كمؤسسة تعليمية ثقافية معينة بإعداد القدرات البشرية والكفاءات العالية لشروط الاستثمار الاقتصادية لتقرير كلف الإنتاج من المخرجات. وثالثة الأمور هي كيفية التعرف على سوق العمل للملاءمة بينه والإعداد الجامعي. ويضاف لذلك إعداد المؤسسة الأكاديمية نفسها للمشاركة بنقل المجتمع لاقتصاد المعرفة وإدارتها والتعاون التنافسي والعقلية العلمية والتعلم الذاتي والمستمر وفتح أبواب التميز والتجديد والإتقان والإبداع وتجاوز النمطية أو إعادة إنتاجها.
وتبقى النقطة الأهم التي تأتي على رأس أبحاث كل الدراسين الخليجيين وهي مواجهة قضية الهوية الثقافية بمنهجية عقلانية تفيد من منجزات الثورات العلمية والمعلوماتية وتتسلح بوسائل إعلام وتميز بخصوصيات ثقافية مبدعة للعطاء الإنساني وللتبادل الثقافي.
لا يجد الخليجيون كثير صعوبة في حل مسائل المخرجات الأربعة الأولى. فالدول الست تسابقت سكاناً وحكومات من أجل بعث شبابها ومنذ بداية القرن الماضي إلى أفضل الجامعات الغربية أولاً ثم استقدام تلك الجامعات إلى أراضيها. وبعد تجارب وعثرات إن كان في ابتعاث الطلبة أو في استقدام الجامعات وما رافق المسيرتين من اهتمام بالكم على حساب الكيف بدأت تتبلور مقاييس محلية أكثر صرامة وبدأ اتجاه نحو تكريس مقاييس للجودة.
وعلى هامش المنتدى التقيت بعميد كلية مزون بعمان ليروي بعض انطباعات عمانية متعلقة. روى أنه بالسلطنة وإلى منتصف السبعينيات كان التعليم متوجهاً لتلبية احتياجات التنمية، ولتحقيق تخريج فنيين ومختصين: بتقنية المعلومات ومحاسبين على سبيل المثال. وشهدت البلد منذ منتصف التسعينيات إنشاء مؤسسات تعليم عال على أساس دراسة للدولة تبين احتياجات البلد. بلغت المؤسسات حينها ست أو سبع جامعات ارتفعت الآن إلى أربع وعشرين مؤسسة خاصة للتعليم العالي. وربما تصل لثلاثين في سنتين وتتضاعف خلال عقد. وبالطبع هناك منافسة بينها. ويضاف لذلك عشرون مؤسسة تعليمية حكومية تمنح شهادات جامعية ودبلومات مختلفة بينها جامعة السلطان قابوس.
تقتصر الجامعات الحكومية طلابها على العمانيين والخليجيين. وبرز شعور بعض الأحيان بأن هناك تشبعاً قد حدث بالسوق كما الحال بالنسبة لتقنية المعلومات مثلاً، وتبلورت فكرة التوجه لجعل عمان مركز تعليم إقليمي. فعمان يبلغ سكانها 2.5 تقريباً بينهم 70% عمانيين، وهناك حدود في السوق المحلي من حيث الطلب على التعليم، على أن الفكرة لم تلق قبولاً.
وحول مشاركته في لقاء المنامة يتحدث الغيلاني أنه شارك بالمنتدى للاطلاع على تجارب الخليج، وللاستفادة والتطوير وأخذ بعض الملاحظات معه للسلطنة. وأشار إلى أن الجميل بالتجمع السنوي هو المشاركة المتنوعة: فهناك أكاديميون وسياسيون واقتصاديون ومهنيون بالتعليم العالي. وهم نخبة من رواد بلادهم. وختم بالقول بوجود اهتمام بعمان بنحو خاص بجودة التعليم، وهناك اتجاه حكومي لضبط هذه المسألة. ولكن هناك اهتمام حتى بالقطاع الخاص. «وأنا شخصياً لا أتردد بالتضحية بأي أستاذ أستشعر منه ميلاً لزيادة معدلات الطلبة بغير وجه حق.»
ووسط متطلبات الاستجابة لشروط التنمية والازدهار الاقتصادي، والرغبة في إيجاد منصات تعليم تتمتع بالجودة وتنتمي للعالم المعاصر، ينبعث قلق خليجي عميق مما إذا كان الاقتصاد المنفلت عن عقاله قد بات خارج السيطرة. هناك شعور عميق بأن آليات الاقتصاد الخليجي باتت تعمل لتوسع يقضي تدريجياً على هوية المنطقة. وهناك مرارة عميقة تستقر في نفوس أعداد متزايدة من عاطلين عن العمل بدول الخليج الست يتساءلون عن كيف تعجز دول تبعث حكوماتها وعائلاتها بأكثر الدارسين للخارج وتضم مجموعة فروع من أفضل جامعات العالم عن أن تهيئ أبناءها ليستجيبوا لاحتياجات اقتصاد مزدهر. وعاد إلى الواجهة سؤال ساذج ما انفك يطفو تارة ويختفي تارة أخرى: هل النفط نعمة أم نقمة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق