يختلف الطريق التنموي للدول الخليجية عن نهجين تقليديين للنمو، بحسب رأي للباحث الاقتصادي شتيفان هغتوغ، والذي نشر بحثاً بكتاب صدر مؤخراً عن التصنيع الخليجي والثورة الاقتصادية والاجتماعية المرافقة. ويجمع الكتاب بالأصل أبحاث ندوة عقدت بهذا الشأن بمركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون الأميركية عام 2008. حاول الطريق الأول تحقيق التنمية بالتصنيع لسد احتياجات الداخل واستبدال الاستيراد الخارجي. سلكت هذا الخيار دول أميركين لاتينية، فأدى لفشل ذريع تمثل بزيادة هروب الرأسمال، ورفع وبشكل غير معقول من نسب صرف العملات الأجنبية وراكم ديونا بتلك العملات.
وبعدها انتشر طريق يأخذ بقيادة التصدير لقاطرة النمو وسارت عليه نمور الشرق الأقصى: سنغافورة وتايوان وتايلند وكوريا. حققت تلك الدول نجاحاً كبيرا، على أن نجاحها الأولي عاد وإلى حد كبير لقدرتها على تصنيع منتجات عالية المستوى لقاء أجور متدنية. وبعدها تم تبني أجور أعلى عبر إنشاء خطوط إنتاج جديدة بكفاءة عالية.
ولكن النمور كانت قادرة على التصدير لسوق مستعدة. فقد قبلت الولايات المتحدة – وهي أكبر اقتصاد عالمي ومستورد _ منتجات الشرق الأقصى عبر قيم صرف أجنبية مدعومة للغاية. وكان ذلك يسمح للتضخم بالولايات المتحدة أن يبقى منخفضاً وجعل من تلك الدول قلاعاً لمقاومة العالم الشيوعي. وتم ذلك على حساب أعمال وعمّال أميركيين خسروا صناعات بأكملها للشرق الأقصى.
ويقول هغتوغ أن ذلك المثال أيضاً لم يكن بصالح لدول الخليج، حيث لم يمتلك سكان دوله خبرات إنتاج بضائع متقدمة بأسعار منخفضة. ولم تكن أميركا لتقبل بمنافسة خليجية لصناعاتها.
وعلى ذلك اتجه الخليجيون لصناعات لديهم فيها هامش فائدة طبيعية، مثل الكيماويات والإسمنت والألمنيوم. اتخذ ذلك التوجه سبيله، بحسب نموذج هغتوغ للتنمية، بشكل رئيس بشركات منظمة بشكل عال ومملوكة للدولة. ولربما بدا ذلك غير منطقياً، ولكن وعلى عكس الاتحاد السوفياتي السابق ودول شيوعية أخرى، تمتعت تلك الشركات بالكفاءة وبحصانة إزاء الفساد.
وتصل نسبة المواطنين بشركات مثل أرامكو وسابك ومعادن إلى 85% بما فيها من النساء العاملات. وتملك الدولة تلك المؤسسات ولكن يجري التوظيف بها على أساس الكفاءة وليس بحسب العلاقات الشخصية أو العائلية، أو ما يسمى محلياً بـ «الواسطة». واهتمت إداراتها تحثها وزارات المالية والنفط والعمل بتدريب طواقمها وبكثافة. وبهذا الشكل تمكنت تلك الشركات من تطوير تقنياتها وإدارة مبيعاتها الدولية بنجاح كبير. وباتت تطمح لتكون قائدة بميدانها. ولربما رغبت إدارة أرامكو في التفوق على إكسون موبيل بينما تجهد سابك لتتجاوز شركة باسف.
وينبه هغتوغ إلى أن تلك الشركات كان لديها مدخلاً لأرخص المواد الخام بالعالم. ومكّنت هذه الكلفة المنخفضة مترافقة مع قدرة هائلة للحصول على الرأسمال، شركات مثل سابك وأرامكو ومعادن السعودية من تحقيق هامش ربح كبير يمكنها من إنفاق مبالغ كبيرة على تدريب الموظفين وشراء خطوط إنتاج جديدة بالعالم.
وينبه باحث آخر هو أليستر هيرست إلبعض ما قد يحد وسط هذه النجاحات من تحقيق أهداف حوكمة تلك الشركات نحو الشفافية والمسؤولية لزيادة الأداء، والقيمة لمالكي أسهمها. فهناك عوامل محلية تحد من حوكمة الشركات بالخليج: الاحترام التقليدي العميق (على الأقل بالعلن) للسلطات، وثقافة متأصلة بالأدب العام، ونفور من المواجهة العلنية.
هذه بعض من أهم ما يرد لدى هغتوغ وهيرست إزاء دور الشركات الكبرى بدول الخليج ووجود طريق خليجي للتنمية.
ولقد أدركت الحكومات الخليجية منذ بواكير اكتشاف النفط أنها إن أرادت المحافظة على دخل من مصدر طبيعي بات يشكل الدخل الأساس، فعليها ألا تتدخل بمجريات سلسلة الإنتاج: من حافة البئر لموانئ التصدير والتسويق. حافظت على المسافة الكافية والمطلوبة من تلك الشركات. وبمرور الوقت، وبوجود أرضية تفاهم وتحالف سياسي مع دول غربية مالكة للشركات، اطمأنت الشركات نفسها لمواقعها وبدأت تعيد بعض ما تحصل عليه للسوق المحلية. وتمثل ذلك أكثر ما تمثل بتطوير الكوادر الوطنية من العمال والموظفين، ثم العمل لتطوير نشوء رأسمالية محلية لتقوم بما تحتاجه الشركات من خدمات بمناطق عملها، ولكن وبالأساس لتبرز شريحة من الشركات الصغيرة والمتوسطة تشكل محيطاً موثوقاً، واستثماراً مستقبلياً يكرر إنتاج الحضارة الغربية والتطور الرأسمالي بمناطق تخلو ثقافتها من تلك المبادئ.
ولقد نجحت تلك الشركات كثيراً عبر برامجها التدريبية وبدوائر مقاولاتها المحلية ببروز جماعة مثقفة وحديثة وقادرة على إنتاج نفسها بذاتها. ويقف أفراد من تلك الجماعة على رأس قسم واسع من المشهد التجاري والاقتصادي بل وأحياناً السياسي القائم بدول الخليج على تفاوت.
وأدركت دول الخليج أهمية تلك الشركات حتى بأكثر أيام العلاقات معها تأزماً، حين انتشرت الدعوات لتأميم تلك الشركات، وبدأت الدول العربية بالضغط على الشارع العربي عامة وبالخليج أيضا للاقتداء بتأميمها للشركات الأجنبية وبينها شركات نفطية. نحت الدول الخليجية بكثير من الأحيان لتأميم تلك الشركات بالاتفاق مع الشركات نفسها، بل وعادت وطلبت منها بأحيان عدة أن تدير الشركات المؤممة بحسب اتفاق تجاري وبمقابل.
معرفة خصائص التنمية الخليجية مقدمة ضرورية لمعرفة نقاط القوة والضعف، وكيفية التقدم للأمام. ولكن ولأهم شيء هو كيفية استكمال شروط نجاح تلك الشركات وتعززيها وبالذات بمسائل الحوكمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق