الاثنين، 10 أكتوبر 2011

سوق مسقط: مخاوف الانكماش ووقائع الازدهار

منذ فترة يجول بين أيدي المختصين التقرير الاقتصادي لعمان 2011 بإصدار مجموعة أكسفورد للأعمال. وقد حاولت أوراقه أن تعكس بهدوء مناحي الحياة الاقتصادية في السلطنة وسط عالم مضطرب، وضمن تجمع اقتصادي يزدهر بوجود مؤشرات انكماش دولي ما تزال تلوح بالأفق.

نوه التقرير أنه رغم أثر سلبي لاح بحلول 2009 بنتيجة انخفاض أسعار النفط وتراجع ثقة قطاع الأعمال أظهر اقتصاد عمان مؤشرات إيجابية. ويتوقع لتحسن ملحوظ بأسعار نفط 2010 أن ينعكس في مؤشرات نمو أقوى لعام 2011 وأن يعيد البلد على السكة مجدداً. لقد صمدت عمان جيداً إزاء الأزمة المالية العالمية وواصلت الإنفاق لتفادي الانكماش. ووسط تحسن أسعار النفط بات متوقعاً نمو الدخل الإجمالي المحلي بنسبة 3.5-3.9% للعامين 2010 و2011. وهما مؤشران مرموقان وسط الأحوال القائمة بحسب تقرير أوكسفورد.

واصلت الحكومة إنفاقها طيلة 2009 بل وتجاوزت في ذلك أهدافاً مقررة ضمن خطة 2010 الخمسية. وقد أفاد ذلك السلطنة لتفادي انكماش واسع وسط عدم جلاء عالمي للأمور. وببدء خطة خمسية جديدة عام 2011، يُتوقع استمرار النهج وحيويته.

ويورد التقرير كيف أظهرت قطاعات مختلفة ردات متنوعة إزاء الأزمة. فبينما تراجعت أرباح المصارف عام 2009 لتباطؤ نمو الإئتمان وتزايد مستويات الاحتياطات، شهد القطاع أيضاً مرونة في جدولة نسبة الفائدة وتحسيناً على كلف الدخول. وبشكل عام انخفضت الأرباح المدعومة بنسبة 18.5% لتستقر عند 190.8 مليون ريال عماني. وتشير نتائج النصف الأول لـ 2010 أنها ستكون سنة أفضل وهناك ثقة بأن 2011 ستشهد عودة لمستويات نشاط القطاع لسنوات ازدهار ما قبل الأزمة. وبالمقابل أبلى سوق مسقط للأوراق المالية جيداً نسبياً في 2009 فاحتل المرتبة الثانية بالأداء الإقليمي، ولكن بدا أنه يتجه بنحو مخيب للتوقعات في 2010. فإذ بدأ العام بقوة سرعان ما بدأ باللهاث بسبب «مخاوف من انكماش باقتصادات أوروبا» فبقى مستوى التبادل والمؤشر على خط ثابت بعد نيسان (أبريل).

ويتوقف المرء مطولاً عند هذا التحليل. وهو يصف ظاهرة تكررت بتفاوت وسط العواصم الست لدول مجلس التعاون. وهو أن الخوف من انتقال الأزمة قد أدى إلى أزمة. وفي الاقتصاد، للمخاوف فعل لا يقل عن أثر الواقع. فمن الثابت تراجع أداء قطاعات متفاوتة بالخليج بفعل القلق من انتقال أثر الأزمة التي حلت بعواصم المال والأعمال بأوروبا وأميركا لعواصم الخليج. وهناك سبب مشروع للقلق وآخر غير واقعي.

أما الأول فهو القلق من تراجع أسعار أصول تمتلكها مؤسسات مالية وصناديق سيادية في عواصم غربية. فهي جزء من ابنية اقتصادية بتلك الدول وتتأثر بما يحل بها  من متغيرات، وتعبُر معها سنوات الازدهار كما سنوات الانكماش.

أما الثاني: فهو الخوف من أن ما حل بتلك العواصم سيجري لا محالة بعواصم الخليج. وأساس هذا الاعتقاد أن عواصم الغرب هي عواصم دولية متقدمة محصنة بشبكة واسعة من مراكز دراسات ومواقع بحث علمي وتشكيلة واسعة من آليات مجربة وتقاليد العمل لمجتمع حديث تقيها أنواء العواصف. فإن لم تفد تلك المؤسسات والأدوات فلا عاصم لدول الخليج من تلك الأنواء.

وهذا منطق غير صحيح. لأسباب عدة أولها وأهمها هو أن التقدم كما بسائر العصور يمر بكل المناطق والشعوب وإن كانت عواصم الغرب قد قادت العالم لعقود ماضية فهذا لا يقصره عليها ولا يمنع عواصم أخرى من التعلم منها والاقتباس والتقدم بدورها والاسهام بتطور البشرية بل وقيادتها لزمن يطول أو يقصر. وتعاني عواصم المال والأعمال التقليدية من مظاهر شيخوخة تتطلب الكثير من الجهد للتغلب عليها. وليس هذا بحال عواصم الأسواق الناشئة وبينها أسواق الخليج. فما يمر من مصاعب بالأخيرة هي من أمراض النمو والتجدد وليس من مظاهر الكبر والتكلس.

وثاني الأسباب: أن ليس هناك من قانون صارم يقول أن ما يجري بالأسواق التقليدية حال لا محالة بالأسواق الناشئة. ربما تنتقل بعض آثاره، ولكن ليست الظاهرة نفسها، رغم الترابط والعولمة. وكما انتشرت أوبئة انفلونزا الطيور وحمى الخنازير بعواصم تفادتها عواصم أخرى رغم التمازج البشري اليومي المتزايد. وفرق أن يمرض مواطن خليجي زار منطقة بها وباء وأن يكون قد التقط مرضاً معيناً ببلاده. وما يصح على الأمراض يُتمثل به في الاقتصاد. فقد يتأثر مصرف أو صندوق سيادي بسبب تآكل يصيب أصول يمتلكها بالغرب، وذلك يختلف تماماً عن تدهور أوضاع المصرف أو الصندوق ما لأسباب ذاتية ولظروف محلية محيطة.

على أن غالبية ما انتقل إلى الخليج من آثار هو من فعل الخوف، وأقول غالبية ولا أورد كل المجريات. ولو تحلى الكثير من مسؤولي مؤسسات المال والأعمال والشخصيات الحكومية بمقدار أكبر من ثقة بالنفس وفي سياسات محلية لكانت خسائر عواصم دول المجلس أقل من ذلك بكثير.

وثالث تلك الأسباب أن الرفع أو الارتفاع المشروع لأسعار النفط يأتي بنتيجتين متعاكستين تماماً، إذ يرفع كلف الإنتاج في الغرب ويحد من قدرة منتجاته التنافسية ولكنه يزيد مداخيل دول مجلس التعاون ويرفع قدراتها في مواجهة الأزمات وتنشيط الاقتصاد وإيجاد حلول عملية لمواجهة احتمالات الانكماش.

وعودة على بدء فأمام عمان واقتصادات الخليج باباً مفتوحاً لاستشراف المستقبل، والمطلوب مزيد من الثقة في النفس تعتمد في أساسها على الواقع والتحليل العلمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق