دعا محافظ المصرف المركزي في البحرين رشيد المعراج المصارف الإسلامية لتبني مقاييس عالمية وسط جهودها لتتشكل في صناعة دولية. جاء ذلك بكلمة وجهها لمؤتمر العمل المصرفي والمالي الإسلامي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية المنعقد بالمنامة في 23 و24 تشرين الأول (أكتوبر) 2011.
وللكلمة أهمية خاصة كون المعراج يخاطب مشاركين قدموا من عواصم مختلفة قبلت بمبادئ الصيرفة الإسلامية، واستخدمت آلياتها وأدواتها في حياتها اليومية. ولكن المعراج أيضاً يتحدث في المنامة، عاصمة المصارف الإسلامية. وهو مسؤول جوهرياً كمحافظ لمركزي البحرين عن تنظيم تلك الصناعة، ووضع ضوابط لها. وسترسم رؤاه بالتالي، ولسنوات قادمة، طبوغرافية بيئة ستعمل وسطها ومن خلالها مصارف تلتزم بالشريعة الإسلامية.
بهذه الدعوة يذكّر المعراج بممارسة سابقة لستة قرون مضت حينما كانت السوق الدولية سوقاً إسلامية بامتياز وكانت أدوات التبادل التجاري والمنتجات المصرفية والآليات المالية إسلامية الأصل والتداول. وحينما بدأت مدن جنوب إيطاليا وأهمها البندقية وبيزا تتاجر مع دار الإسلام واكتشفت جملة من أساليب تجارية وأدوات مالية متطورة تبنتها دون تردد بدافع المصلحة وقبولاً بأن ما يصلح للغير يمكنه أن يفيد تجار وصيارفة أوروبا. وبقت من تلك المرحلة، ضمن كثير، كلمة «الشيك»، وهي الكلمة اللاتينية المأخوذة من أصلها العربي «الصك» لتشير إلى استفادة مدن أوروبية نشطت بالعصور الوسيطة، من حلول امالية عربية. كان ذلك ضرورة لنشوء وتطور نظام رأسمالي غربي لاحق.
ويقول المعراج إن ما يصح لتنظيم وضبط وترقية المصارف التقليدية يصلح بل ويتوجب تطبيقه على بيوت الصيرفة الإسلامية. ويكرس كلامه بلقاء عقدته هيئة المحاسبة الإسلامية متعاونة مع البنك الدولي، وفي ذلك دلالات كثيرة. وإذ يؤكد المحافظ وجود اختلافات بيّنة بين الصيرفة الإسلامية والتقليدية إلا أن المتشابه بينها ليس بالقليل أيضاً، وأن أية محاولات لتجنب الأزمات وسط نظام عالمي يعتمد حتى الآن على نظم مصرفية تقليدية ينبغي على الصيرفة الإسلامية أن تعنى بها وتستفيد من أطرها وضوابطها لتفادي مطبات طريق سلكه آخرون واختبروا مآزقه.
وأول ما يرد على البال متطلبات «بازل 3» وهي حزمة تدابير وضعتها مجموعة بازل الدولية لمراقبة المصارف بسويسرا. تستوجب تلك التدابير من المصارف الاحتفاظ برصيد وافر من أصول ذات سيولة عالية الجودة لمواجهة أية تدفقات خارجة غير متوقعة. وتتضمن هذه سندات سيادية أو أصدرتها شركات. ولقد ركز منظمو صناعة المال التقليدية على السيولة بسبب أن المصارف التقليدية قد اعتمدت كثيراً، قبل الأزمة، على توافر شبكتها على أسواق قصيرة الأجل فيما بينها البين لتمويل أصول طويلة الأجل نسبياً. ورغم أن هذا التقليد جوهري للمصارف، إلا أنه قد يأتي وقت يختل فيه توازي استحقاقات الدفع القصيرة المدى مع الطويلة منها وينفرط التوازن المعهود بين حكمة المواءمة بين الاستحقاقات وتجاوز حدود تلك الحكمة. وهو ماكشفته مجريات الأزمة الأخيرة.
ولم تكن الصيرفة الإسلامية بعيدة عن اتباع هذا العرف وإن كانت الأصول المستخدمة متوافقة مع الشريعة الإسلامية. وإن تفادت الصيرفة الإسلامية أزمة مالية حتى الآن فهذا لا يثنى عن ضرورة استيعاب دروس الغير، والإعلاء من أهمية فهم مخاطر السيولة، ومراقبتها والعمل على السيطرة عليها.
ويحدد المعراج مصاعب ثلاث تعترض التوفيق بين متطلبات ترتيبات بازل 3 وبيئة الصيرفة الإسلامية. أولها أن المصارف الإسلامية ليس بمقدورها الاستفادة من الاستثمار في منتجات قائمة على الفائدة. وهذا يجعل من شرط محدد للسيولة في بازل 3 غير قابل للتطبيق. وتضيف محدودية الصكوك المتوفرة صعوبة أخرى للاستجابة لنسبة السيولة المطلوبة في بازل 3. وتزداد الصعوبة بحكم أن سيولة سوق الصكوك هي ليست بنفس سيولة السندات الحكومية التقليدية ولذلك وإن استثمرت مؤسسة مالية إسلامية بصكوك ما فقد لا تجد لها مشتر حين تبرز الحاجة لذلك.
وباختصار فالمعراج الحريص على متانة أطره المنظمة لما يقترب من 350 مصرفاً قائماً في البحرين، تقليدية كانت أم إسلامية، يظهر اعتناءاً خاصاً بشروط بروز المصارف الإسلامية واستمرارها بحسب شروط تحكم مصارف العالم أجمع.
وهو ما يطرح السؤال الأساس والمتكرر: هل الصيرفة الإسلامية بأخلاقيتها وشروط ممارستها المتضمنة وطرق بروزها ونمائها تستجيب للسوق بشكل عام أو إنها تلبي حاجة للمجتمعات الإسلامية والزبون المسلم فقط. وأذكر إني وجهت هذا السؤال مرة إلى رئيس بنك الاستثمار الإسلامي الأوروبي عمّا إذا كان هناك أية جاذبية خاصة للمصارف الإسلامية ليقبل عليها الزبون الأوروبي، فأشار لممارسات بتلك المصارف تشد مستهلكين كثر في المجتمع الحديث كاهتمامها بالبيئة وتفاديها لتمويل تجارة الأسلحة ولشفافية معاملاتها واستخداماتها لأموال البنك.
وواقع الأمر أن تلك الجاذبية لا تزال محدودة، وحتى في الدول المتطورة اقتصادياً وفي مجتمعات الغرب المتعددة الأعراق والهويات، يكاد انتشار المصارف الإسلامية أن يقتصر وسط الجاليات المسلمة والعربية بنحو خاص. وأحد أبرز التحديات التي تواجه تلك المصارف هي كيف يمكن لها أن تخاطب زبائن العالم بأسره، وتأتلف مع منظومة شبكة كونية تتجاوز أية حضارة منفردة، وأية مجموعة دول منعزلة وإن كبر حجمها.
وفي بعض الأحيان يشير صيارفة أوروبيون إلى أن الصيرفة الإسلامية ما هي إلا نسخة مكررة تجاوزها النظام البنكي والمستهلكون في الغرب وهو ما كان يعرف بالصيرفة التعاونية، وبقايا بعضها لا تزال قائمة بسويسرا. والجواب عند صيارفة الإسلام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق