الاثنين، 17 أكتوبر 2011

المتشابه والمختلف بين أوروبا الخليج: النزوع للفيدرالية

هناك متوازيات عديدة وأوجه شبه كثيرة بين  نشوء وتطور مجلس التعاون لدول الخليج العربية والاتحاد الأوروبي. ويكاد أن يشكل الهيكل الاقتصادي لبناء الكتلتين أحد أبرز أوجه الشبه تلك. ويسري بأوساط الكتلتين حالياً نهج عميق ومتنام لمزيد من التوحد نزوعاً نحو كونفدرالية أو حتى فيدرالية. وتختلف أسباب تبلور ذلك التوجه بالبقعتين.

ومؤخراً، جرد مسؤول الاستثمارات الأول وعضو اللجنة التنفيذية بمصرف ساراسين، بيركهارد فارنهولت، عشرة اتجاهات لمنقلب الأمور في الاتحاد الأوروبي رغم ما يعتريه الآن من تأزم مالي وعدم استقرار قائم وسط اختناقات الاقتصادات  المنفردة لبعض الدول الأوروبية. ويلتقط فارنهولت مجار عشرة يعتقد بأنها رغم الاضطراب الحاصل تكاد أن تكون ثابتة وستتجه نحوها الأمور ونشرها بآخر تقارير المصرف المكرس لوصف الاقتصاد العالمي بالربع السنوي الأخير.

فسيرغم الإصرار على ضبط ميزانيات القطاع العام الدول بمجموعها على وضع قواعد للإعلاء من شأن «ضبط الدَّين» بدساتيرها. وسيتجه القطاع الخاص لمزيد من الادخار، وستوزع الشركات عوائد أقل على أسهمها. وعلى ذلك، سينمو اقتصاد منطقة اليورو بسرعة تقل عن المعدل. إلا أن مجموعة اليورو لن تتقسم. وستضغط أولوية السلم الاجتماعي النزوع نحو هذا الزواج غير الطوعي والقائم حالياً على صناع القرار السياسي. وستتطور مجموعة اليورو من فكرتها الأساس كونها اتحاداً كونفدرالياً لدول متعددة إلى دولة اتحادية، بحكم الواقع، بسلطات مركزية أكثر بنحو ملموس. وستشكل سندات اليورو الجانب الثاني لهذا التطور. فسيتأتى لها أن تضع نهاية لأزمة الثقة وللإعلان عن تعاف اقتصادي نشط. وسرعان ما سترغم الأسواق الساسة على تأسيس إصلاحات بنيوية، يمكن لها أن تؤدي إلى تحفيز إيجابي للنمو ولسنوات عدة. سيؤدي هذا إلى استمرار انخفاض عائدات اليورو – دون اتجاه للنمو – وإلى تحسن في سعر اليورو. وبالمقابل سيتواصل الطلب على الأصول المدرة للدخل أكثر من أي وقت مضى. وستبرز فقاقيع للعقار المحلي. ثم ستتحسن الأسهم على المدى المتوسط. وكما هو حال الأصول الملموسة الشحيحة، فستمتلك الأسهم الكثير من الإيجابيات يصعب على المستثمرين العثور عليها في النقد أو السندات الحكومية.

إذا ورغم أزمات اليونان والبرتغال وتخفيض تصنيف إيطاليا والإفلاس المحتمل لإسبانيا، إلا أن الاتحاد الأوروبي يرى في مزيد من التوحد، وبلورة سلطة مركزية الرد على هذه الأزمات. ورغم وجود اتجاه قوي، قادته ولا تزال بريطانيا، نحو تقليل هذه التوجهات، إلا أن المجريات المالية، والاستجابة لطبيعة العصر المتطلبة لبروز كتل اقتصادية عالمية كلها تدفع الاتحاد الأوروبي نحو الإندماج ومحاولة العثور على حلول للأزمات ضمن تكتل سياسي بسلطات مركزية قوية دون تناسى التعددية أو تجاهل للتاريخ السياسي والحضاري للأعضاء المكونين.

ويسير مجلس التعاون بنفس الشاكلة. فقد قام المجلس بعد عقد من استقلالات دول الخليج وبعد فشل تسع منها في إقامة تكتل إقليمي. فإذا بمنظومة جديدة تحتوي التسع إمارات السابقة وتضيف لها كيانين أساسين. وانطلاقاً من فشل استمر لربع قرن من الزمان لإقامة تكتل عربي على أساس سياسي، اختار الخليجيون المدخل الاقتصادي مبتدءا لهم.

ولكن وبالعودة إلى جردة فارنهولت فإن من الحري قراءتها لاستقراء بعض ما قد يستقر في المستقبل الاقتصادي لدول الخليج، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك دوماً فوارق جوهرية. على أن القراءة تفيد في التقاط المتشابه.

وأول المتشابهات هو أن أوروبا وعلى رغم حديثها الاقتصادي البحت إلا أن أمر الحديث عن السلم الأهلي بدأ يرشح وسط الحديث عن هموم المال والأعمال ونسب الفائدة والأرباح وسندات الحكومة. وهذا العامل بدأ بدوره يتسلل إلى النسيج الخليجي حيث بدأت أحداث محلية تؤثر على المسيرة اليومية لدوائر المال والتجارة والإنتاج من ناحية، وتنال من استقرار دول الخليج الذي كان أحد عوامل الجذب الأكثر نجاحاً في لفت نظر المستثمرين، وفي تدفقات الاستثمار الأجنبي.

المسألة الأخرى التي تجري ملاحظاتها هو بروز ظاهرة «اللاعودة للوراء». فأمام تراكم الأزمات في السنوات الأخيرة في الاتحاد الأوروبي كانت الأصوات الداعمة لمزيد من الاندماج، والمحبذة لبروز سلطات مركزية أقوى، والدافعة باتجاه بلورة كيان سياسي موحد هي الأقوى والأكثر تأثيراً.

ورغم حساسيات العامل القومي والشحن على قاعدة تاريخ العداء بين الشعوب الأوروبية، وخاصة إزاء الدور الألماني المتعاظم المذكر بطموحات وحروب سابقة، إلا أن الناخب الأوروبي المتمسك بحرياته وتاريخ بلدانه المستقل استمر في دعم الاتجاه نحو الفيدرالية. ولم تتأثر في ذلك حكومة ألمانيا ولا فرنسا إزاء دعمهما لاقتصادات الدول الأكثر ضعفاً وتحمل الأعباء المالية المرافقة لذلك الدعم. كما أن صرخات التظلم والتخوف من هيمنة الدول الأكبر والتحذير من «بيع اليونان برخص التراب للألمان» لم تنجح في إيقاف حكومتها عن السير في سياسات التقشف والإندماج والقبول بشروط مركزية.

وباختصار فإن التوازن الأوروبي يستمر بنجاح بين المحافظة على الحريات السياسية للأفراد وتساوي الدول في اتخاذ القرار وتنفيذه وفي الاستجابة لسياسات يتطلبها اقتصاد في عالم بات شديد التنافسية، وقوي الترابط، وشديد التداخل. وبهذا بعض من توقع مستقبل مجلس التعاون. يختلف اقتصاد الخليج جوهريا بحكم عامل النفط عن اقتصادات الاتحاد الأوروبي، ولكن مع سياسات التنويع، والدخول في التحديث وتبني متطلبات المجتمع العصري بشروطه السياسية والاقتصادية والاجتماعية يزداد التشابه، ويعود لما تمر به أوروبا أهمية لمستقبل الخليج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق