حدد النائب الثاني لرئيس اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي ورئيس غرفة عمان خليل خنجي ملامح بروز التكتل الاقتصادي الخليجي ضمن الشبكة الاقتصادية العالمية في خطابه لمنتدى «استثمر في البحرين» يوم 19 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.
قال الخنجي أن التجمع الإقليمي العتيد يجب أن «يشكل ساحة للتلاقي بين مجتمع الأعمال والمستثمرين وممثلي الشركات الكبرى ومؤسسات وبنوك التمويل المحلية والإقليمية لتبادل الرأي.» وحتى يتحقق ذلك لابد من إيجاد توازن معقول وممكن بين إيجاد بيئة أعمال بمستويات دولية في الخليج وبين المصالح الخاصة بدول المجلس. كان الأجانب من الغرب المتقدم اقتصادياً يأتون لمنطقة الخليج في سابق الأيام كواحة تدر دخولاً خاصة عالية وتخلو أيضاً من الضرائب، يجمعون من الدخل فيها ما يجمعون لعدد من السنين ثم يرحلون لبناء منازل أو أعمال لهم في أوطانهم. لم يكونوا ليعجبوا بالبقاء طويلاً. فهم يأتون إما كمستشارين أو موظفين رفيعى المستوى أوخبراء تقنيين أو ممثلين لشركات متعددة الجنسيات. لم يأتوا ليمارسوا الأعمال ويستقروا بالخليج. اختلفت الأمور اليوم. فمصدر مجيء أفراد هذا القطاع البشري لم يعد مقتصراً على الغرب، كما إن عواصم الغرب نفسه كان ولاتزال متجهاً لأصحاب أعمال ومبدعين واستثمارات من شتى بقاع الأرض. وبرزت عواصم في آسيا مثلاً تقتفي نفس التقاليد. وعلى عواصم مجلس التعاون أن تستكمل مهمة أصعب مما أنجزتها غيرها بسبب الطبيعة السكانية المحدودة لمواطني المنطقة وبين سياسة الإنفتاح والفسح لبروز أرضية لمثل هذا اللقاء. وباختصار فالمتوقع بلورته هو موقع يجمع بين حريات استقبال للاسثمار والمستثمرين والخبرات الأجنبية مترافقاً مع إعداد البنية البشرية المحلية لتنافس وتعمل وتحافظ قدر الإمكان على نسيج بشري ذي هوية معينة.
ويضيف الخنجي إلى أن يكون هذا اللقاء بمثابة مظلة لـ «تفعيل مشاركة القطاع الخاص مع القطاع العام.» وهذا هو الشرط الثاني. ولقد باتت الأرضية ممهدة من الناحية السياسية والاقتصادية بل وقُطع شوط طويل بهذا الاتجاه. فلقد باتت حكومات المنطقة عالمة بأنها غير قادرة على أن تقطع طريق التنمية لوحدها. وأن كل عائدات النفط ليست بقادرة بكثرتها على إنجاز بناء اقتصاد حديث يرقى لمقاييس الدول الرأسمالية المتطورة. وأن شروط العصر الضرورية لتحقيق تنمية مستدامة تفوق قدراتها الذاتية. وأن جل ما تستطيع فعله هو إيجاد مناخ أعمال مناسب، وتأسيس بنية تحتية ملبية لمتطلبات النمو الاقتصادية، وحسن إدارتها للاقتصاد. وما بقي بعد ذلك يتعلق بقدرة القطاع الخاص على الاستفادة من تلك التطورات، وأن ينشط لخلق الثروات، وإيجاد الوظائف، وتحريك عجلة الإنتاج. فتحتفظ الدولة أساساً بدور المنظّم، ويتملك القطاع الخاص بدءاً من أصغر الشركات وانتهاءاً بأكبر الشركات المحلية العابرة للقارات ملكة الإبداع والنشاط.
ويختم الخنجي بالمطالبة بـ «الإرتقاء بالصناعات الوطنية ورفع تنافسيتها على المستوى الدولي وباتجاه فتح منافذ تسويقية جديدة لهذه المنتجات، خاصة وأن المنتدى يحرص على تعزيز التواصل بين أصحاب القرار من جانب الحكومة من جهة والقطاع الخاص.»
والربط بين التنافسية والارتقاء مهم من حيث أن التطوير لا يتم بمعزل عن جهود آخرين في المجتمع البشري. فمنتوج ما قد يكون هو الأفضل والأوسع انتشاراً، حتى يبرز منتوج أفضل منه فيفسح السوق له مكاناً ويبدأ المستهلكون في النظر والمقارنة. ولذلك فمنتوجات الخليج البتروكيماوية مثلاً لن تجد لها تسويقاً في عواصم متقدمة وأسواق واسعة ولن تلبي حاجات في غاية التنوع إن لم تكن تأخذ بمبدأ التنافسية في الجودة والأسعار والتسويق وحتى في دعم المؤسسة للزبائن. وتستحث العولمة الخطى بهذا الاتجاه.
فالكتلة الخليجية على وشك أن تكون مصدرة لمنتجات وخدمات تتجاوز صادراتها البترولية. وتستجيب لسياساتها التنويعية. وبين الرغبة والفعل شوط يقطع والتنافسية في البال دوماً.
على أن زرع روح التنافسية لا يتم في وسط الأمور أو في آخرها، وإنما يبدأ بأولها، وتحديداً في المدارس. فهناك ينبغي بث روح التنافس والإنجاز وسط جو من الروح الرياضية التي تحيل الأمر إلى سباق يستخرج من كل طالب أفضل ما فيه وليس إلى احتراب بين الأفراد. ومثل هذه الروحية لا تزال بعيدة عن النفسية الخليجية ورؤى المجتمع الأبوي البسيط لخليج ما قبل النفط والحداثة.
لقد كنت أعجب في فترات سابقة حين كنت أزور معارض تقيمها دول عربية في عواصم أوروبية ترويجاً لصورتها ومنتجاتها وتكلف الملايين. وكانت تأتي بصناعات بغاية التخلف تستثير تعاطف الزوار ولربما تثير رثاءهم أكثر مما تستحثهم للوصول لصفقات للحصول علىيها. وفي بعض الأحيان كانت منتجات تقليدية عربية مثل التمور تسقط في امتحان التنافسية حين تقف أمام التمر الأميركي أو حتى الرطب الطازج الإيراني. وهذه دروس مهمة للمصنع العربي إن أراد أن يلبي احتياجات أسواقه أولاً وأن يتسجيب لحاجات الأسواق العالمية ثانياً.
وعودة على بدء فنحن على وشك تبلور كتلة عالمية اقتصادية جديدة، قيض لها أن تنشأ وسط بروز كتل اقتصادية كالصين والهند والبرازيل وروسيا مع بقاء عواصم الإنتاج والخدمات والاستثمار التقليدية في الغرب. وهذا يجعل من ظروف التبلور أبعد ما تكون من السهولة والسلاسة. وستحتاج دول مجلس التعاون في ذلك إلى النظر إلى كل مكونات قدراتها بتكامل وشمولية، وأن تطور مؤسساتها القائمة المرافقة لهذا التطور وفي مقدماتها مؤسسات التعليم والبحث والتطوير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق