الاثنين، 16 أبريل 2012

تقويم المخاطر .. أسواق الخليج واستثمارات الغرب

رأى الرئيس التنفيذي لبنك طيب سهيل سلطان في حديث له بجريدة «الوسط» البحرينية أن «العام 2012 سيكون عاما صعبا للمصارف والمؤسسات المالية نتيجة لبيئة استثمار عالمية غير مواتية بدول أوروبية والولايات المتحدة، و لتباطؤ الصين الاقتصادي».

وجرت مقابلة سلطان مع «الوسط» بعد أسبوعين تقريبا من تقديمه استقالته كرئيس تنفيذي لبنك طيب بالبحرين والذي تعرض لخسائر ضخمة بسنوات قليلة ماضية وبدأ إعادة هيكلة رئيسة، بحسب الصحيفة.

وأضاف سلطان أن الفترة السابقة لم تشهد إدارة البنوك بفعالية، وحدثت المشكلة عندما كان الوقت جيدا واستثمرت المصارف بأصول طويلة المدى مولت بأموال الزبائن، وعندما انهارت الأصول بالأزمة العالمية، سجلت البنوك خسائر ضخمة.

وما يوضحه سلطان هو التاريخ، وما يغيب هو الجغرافيا. الثابت أن أحاديث كثيرة دارت وتدور عن خسائر بنوك الخليج وصناديقه السيادية حدثت لتَراجُع أسعار استثمارات بالغرب، والقليل القليل منها كان لخسائر في الخليج. فلقد شهد الخليج بالعقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي بروز مصارف ومؤسسات مالية أقامت به لتستثمر فائض أموال تراكم محلياً بتوجيهه لفرص استثمارية مربحة بالغرب. وكان أصحاب الأموال المستثمرة يشكون من أمرين: شحة الفرص بالخليج وتخلفها إن وجدت مقارنة مع الغرب المتطور بمدنه التي بنت عبر قرون شبكة مؤسسات مالية وتقاليد أعمال وأطراً قانونية. وشكلت الشبكة عنصر الجذب الأساس للأموال الخليجية.

حمت الحكومات الخليجية الملكية الخاصة بمنظومة زاوجت بين الشرع الإسلامي قوانين وضعية، ولكنها ظلت بعيدة عن الاستجابة لشروط الاستثمار الحديثة، ولم تكن كافية لإزالة ما كان يساور عقول كثيرين من مخاطر تحيط بأموالهم، إن قرروا الاستثمار محلياً.

ولكن تلك الشكوك كانت أقل بكثير مما ساور مستثمرين بدول عربية أخرى كانت مسرحاً لاضطرابات سياسية ولذلك لم يغادر المستثمرون الخليجيون بلدانهم كما حدث ببلدان عربية. وأنفقوا أموالاً باقتصاداتهم لتستجيب لمتغيرات سبعينيات القرن الماضي وتستفيد منها، والمتمثلة في نيل دول الخليج استقلالها وأقدامها على تغييرات اقتصادية تترافق مع السياسية منها. كانت دول الاستقلال تُولَد ولها متطلبات وشروط أبرزها إقامة بنية تحتية متطورة. وبوجود عائدات النفط كان الإنفاق الحكومي محركاً لنشاط اقتصادي ليس بالهين، ومحاولاً الاستجابة لمتغيرات انعطافة القرن.

ولقد بدأت دبي في استشعار تلك المتغيرات، وشقت طريقاً مبتكراً. ولقد ساورت شكوك كثيرة دول أخرى حول مدى نجاعة الطريق، ولم تخل تلك الشكوك من قلق أمني. وبمرور الوقت سلكت بقية الإمارات النهج نفسه، وأفسحت  النجاحات الاقتصادية الأفق لخطوات أكثر وجرأة أكبر. وأصبحت دول الخليج متجها لتدفق استثماري غير مسبوق مصدره الداخل كما الخارج، والأهم أن عائدات الاستثمار بالخليج بدأت تتساوى وأحياناً تتفوق على مثيلاتها بالغرب. عندها بدأ تحول. ولا شيء يعكس هذا الاتجاه من إنفستكورب.

فإذ أنشئت المؤسسة في البحرين عام 1982، أي بسنة واحدة بعد تأسيس مجلس التعاون الخليجي، كرست نفسها لثلاثة عقود للعثور على استثمارات بدول متقدمة اقتصادياً وتحديداً في الغرب لاجتذاب رؤوس أموال المتحققة من نشاط اقتصادي وافر وعائدات نفط متصاعدة بالخليج بفعل اتجاه عالمي لارتفاع أسعار البترول. وبينما كان مكتب إنفستكورب بالمنامة يدرس السوق المحلية ويحدد مصادر أموال الاستثمار الممكنة، كان مكتباها في نيويورك ولندن يستكشفان فرص  استثمار ممكنة. وقد وصل نشاطها ونجاحها إلى حد أنها أدارت أحياناً ما يقرب من 43 مليار دولار.

وأدركت إنفستكورب بعد حين متغيرات الخليج، وبالذات ارتفاع منسوب الربح العائد من الاستثمارات المحلية فتشجعت للتعرف على فرص جديدة وهي التي شهر عنها حرصها الشديد على أموال المساهمين بها. ولكنها أيقنت بأن هناك ما يغري بالخليج وأن عائدات الاستثمارات به لم تعد مرتبطة بأموال هبطت مع ارتفاع غير متوقع لأسعار النفط، وإنما هي نتيجة بروز بيئة استثمارية ووجود فرص واقعية تضاهي مثيلاتها في أوروبا وأميركا ولربما تتفوق عليها. وكان ذلك محفز إنشاء صندوق استثمار الخليج بإنفستكورب بنهاية العقد الأول من القرن الراهن.

وبالعودة إلى حكاية طيب بنك، وإشارته لانهيار الأصول والتي لم يتضح موقعها، ولكن أكثر الإشارات أنها خسائر لم تقع بالخليج. وهذا يضع لا بنك طيب فقط بل مصارف أخرى، وكل المستثمرين لإعادة تقويم المخاطر وإعادة النظر في مدى استجابة بيئة أوروبا والولايات المتحدة الاستثمارية لشروط الربحية وقياس المخاطر. وباختصار توجب على هيئات الاستثمار أن تنسى التاريخ وتهتدي بالجغرافيا. وعليها بنحو واضح توظيف أموال زبائنها ليس اتباعاً لتقليد وتحوطاً من ظروف سياسية متقلبة وإنما استشعاراً لحاسة الربحية، واتباعاً لسلامة الاستثمار.

على أن مصارف عديدة بالخليج ما زالت مترددة في ركوب روح مخاطرة  محسوبة، واستيعاب متغيرات وتواصل السير بطرائق تقليدية، وتتخوف من قلق مساهميها. ولكن أكثر خسائر أزمة 2008 قد حلت برؤوس أموال خليجية خاصة منها وسيادية ونتجت من تراجعات بأصولها الغربية، بعضها كان مؤقتاً وبعضها، وهي الأقل، كان دائما. ولكن لم تكن هناك خسائر واقعية ذات حجم كبير بالسوق المحلية بحيث تنكمش المصارف الخليجية وتتجاهل نداءات متكررة من غرف التجارة الخليجية تدعو البنوك للتحرك، ونبذ تحوط غير مبرر ولا يرتكز على أسباب واقعية. فتقدير المخاطر بدقة لا يعني الجمود، وتجاهل فرص بازغة، في بيئة باتت تجهد لتستجيب لشروط استثمار عالمية وتكافئ الجرأة وحسن البصيرة.
 
صحفي وباحث باقتصاديات الخليج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق