الاثنين، 2 أبريل 2012

أعمال بيت التمويل الخليجي وقرارات قمة بغداد

شهد شهر آذار (مارس) الأخير حدثين اقتصاديين مهمين، نال أحدهما تركيزاً إعلامياً واسعاً ومرّ الثاني، وقد سبق الأول زمنياً، دون أن ينال اهتماماً لازماً وهما تجدد الاهتمام بمشروع مرفأ تونس المالي والثاني انعقاد القمة العربية ببغداد وقراراتها الاقتصادية.

مر الأول قبل  ثلاثة أسابيع من انعقاد قمة بغداد حين أعلن مرفأ تونس المالي أحد مشاريع بيت التمويل الخليجي عن توقيع اتفاقية مع مجموعة ديمتاس (DEMTAS) التركية للتطوير لبدء أعمال بنية تحتية وإنشاءات خاصة بالمشروع.

وقد اعتمدت الحكومة التونسية، وليدة الربيع العربي، مخطط المرفأ بانتظار اعتماد نهائي لتصاميم البنية التحتية، وخصصت ميزانية لازمة لاستكمال بنية طرق مؤدية للموقع، وفاءاً بالتزامها باتفاقية موقعة مع المرفأ. 

وتوقع رئيس  المرفأ ورئيس مجلس إدارة بيت التمويل عصام جناحي اجتذاب المشروع لاستثمارات بتونس وخارجها وتوفير فرص عمل باستمرار دعم الحكومة.    

وينتظر المصرف أن يعكس المرفأ مفهوماً جديدا لأسلوب حياة عصرية حيث يضم مكونات سكنية وتجارية ومدارس عالمية ونقاط جذب سياحية ومنشآت صحية ومارينا وملعب جولف.

واعتبر جناحي الاتفاقية مع ديمتاس خطوة هامة لتحقيق إمكانيات المرفأ لشمال أفريقيا، وإحداث نقلة نوعية بالاقتصاد المحلي والإقليمي كمركز مالي جاذب لاستثمارات أجنبية. وبيّن أن أهم أسباب اختيار تونس كموقع لأول مرفأ مالي يطوره المصرف بشمال أفريقيا امتلاكها لموارد بشرية موهوبة ومدربة، وتوفرها لبنية تحتية جيدة وشبكات اتصالات مكثفة.

بدوره توقع عضو مجلس إدارة ديمتاس دينسل تكين أن يحفز المرفأ اقتصاد تونس بتوفيره لبنية تحتية تجارية عالمية وأبراج سكنية فخمة ومكاتب فاخرة لخدمات مالية تستفيد من تونس كبوابة لأوروبا وأفريقيا. وسيركز المرفأ كأول مركز مالي أوفشور بشمال أفريقيا، على جذب مؤسسات مالية محلية إقليمية ودولية وصناديق استثمار إسلامية.

وبيّن العضو المنتدب والمدير العام للمرفأ عماد نسناس أن المشروع سيوفر 16 ألف فرصة عمل بمرحلة الإنشاء. وسيستوعب باستكماله 110 ألف شخص مقيم على مساحة 500 هكتار. وسيضم المرفأ أربعة مجمعات رئيسة ومؤسسات مهنية ومساندة. وستشمل المجمعات مركزاً لشركات واستثمارات مصرفية واستشارات ومركز تأمين وتكافل ومركز تداول.

بمقابل هذه الروح العملية،  خصص إعلان بغداد الصادر عن القمة الجامعة العربية 8 من 49 قراراً  لمسائل ذات طبيعة اقتصادية. ولكن لا تزال ظروف تكتنف تلك القرارات ومخاوف حول قابليتها للتنفيذ مثلها مثل قرارات سابقة. يورد أولها وهو رقم 27 تثمين المجتمعين لإجراءات تتخذها الجامعة العربية لمراجعة اتفاقية موحدة لاستثمار رؤوس أموال بالدول العربية لتعديلها بما يتماشى بتطورات اقتصادية دولية. وشدد الحضور على أهمية عقد مؤتمر عربي لدراسة مناخ الاستثمار بالدول العربية، وأهمية اتخاذ خطوات تهتم بمشروعات صغيرة ومتوسطة تقلل بطالة الدول العربية. ودعا القرار لتقديم تسهيلات لرجال أعمال عرب للاستثمار تحقق مصالحاً مشتركة وتعزز تجارة بينية عربية.

والكلام معقول وليس به ما ينال منه، غير افتقاره لآلية تطبيق تنتج مشاريع مثل مرفأ تونس المالي. ورغم خطوات عربية عديدة كُرست للشأن الاقتصادي، إلا أن ما تحقق منها شحيح، وخاصة بالمقارنة مع مسيرة ناجحة لتكتل اقتصادي إقليمي هو مجلس التعاون الخليجي. فلقد حقق التكتل قصة نجاح لعقود ثلاثة مرت منذ تأسيسه غيرت في الخطاب العربي والتزام الأفراد والمؤسسات بالقرارات الجماعية و قطع الطريق بين القرار وتنفيذه الناجز والناجح.

وباختصار فلا تزال الجامعة العربية تشكو من طرائق سابقة في اتخاذ قرارات لا تتحقق، وما لم تغير في ذلك فلا مستقبل لتطورها واجتماعاتها وبياناتها.

ولعقود استمع العرب لمثل هذا النقد يتلازم مع مسيرة جامعتهم. على أن اختلافاً  مهماً حدث في المنطقة العربية على المستوى الاقتصادي، وهو تجربة دول مجلس التعاون والقطاع الخاص بها. فالاقتصار على الاقتصادي في تجربة التعاون أزاح الكثير من التشنجات والاختلافات وأفسح المجال لطمأنينة وعقلانية تنظر إلى فوائد التكتل، ومزايا اتخاذ قرارت قابلة للتحقق والقبول بالأقل شرط أن يكون أفضل وقابلاً للتطبيق.

وعودة إلى تونس يذكر في سياق الحضور الاقتصادي للقطاع الخاص الخليجي في تونس أنه سبق للشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة الإسلامية صاحبة أكبر كتلة نيابية في البرلمان التونسي أن دافع عن موقف الحركة في صياغة دستور جديد، وعدم اعتمادها للشريعة الإسلامية كمصدر أساس ووحيد للتشريع (الشرق الأوسط، 29 آذار (مارس) 2012) وإن كان لذلك تأثير سلبي في علاقات تونس بدول الخليج واستثماراتها بتونس فقال إن قيادات الحركة لم تلحظ أي أثر سلبي بالعلاقات المشتركة وأشار إلى إن نوايا الاستثمار ارتفعت وبأرقام لم يشهدها تاريخ تونس. وترى بنوك إسلامية كثيرة وشركات استثمارات أن الثورة التونسية قطب جذب مهم للاستثمار.

ولا أفضل من التجربة العملية، والإنجاز الناجح، ومن بينها مشروع المرفأ المالي للاستفادة منه. وبقدر ما يثبت ذلك النجاح العملي فإنه يشير إلى أسلوب تحقيق يفيد الاجتماعات العربية ويسلحها بأدوات التنفيذ وخرائط طريق للفعل الاقتصادي. ومن بين أبرز تلك المؤشرات الدور المفيد الذي يلعبه القطاع الخاص. فمن الأفضل أن تركن الحكومات إلى إيجاد سياسات وسن قوانين ورسم خطط، وإيجاد موازنات تستجيب لمطالب القطاع الخاص في إيجاد بنى تحتية وتسهيلات عامة. ومن أبرز تلك المطالب هو إزالة أية عوائق بيروقراطية تنتمي لعصور بائدة وإيجاد أطر قانونية سهلة وجاذبة وداعمة للمستثمرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق