الاثنين، 9 أبريل 2012

سوق الصكوك .. نحو تعافٍ شامل واغتنامٍ للفرص

أعلن مصرف سراسين السويسري بتقرير شامل له عن الصيرفة الإسلامية أن سوق الصكوك كاد، في العام  المنصرم، أن يتعافى تماما من هزة 2008، حين قام مستثمرون عديدون بسحب رساميلهم للاستثمار في بلدان متطورة. على أن عائدات كبيرة عوضت المستثمر الذي حافظ على ولائه لسوقه المحلي للصكوك. وتمثلت أفضل العوائد في أنه بات لدى المستثمرين المسلمين الآن خيارات محللة إسلامياً تقابل السندات التقليدية. وبات ممكناً تشييد محفظة صكوك مكرسة، لا تتمتع بنفس كفاءة أسواق السندات العالمية، ولكنها تكفي لإشباع حاجات مستثمرين إسلاميين أكثر. وكان إصدار صكوكٍ جديدة بقيمة 80 بليون دولار علامة تقدم كبيرة، لتؤدي إلى بلوغ سوق الصكوك 180 بليون دولار، بحسب ما أوردته نشرة «زاوية» الإلكترونية.

وتمهد توقعات نمو سوق الصكوك في عام 2012 كعلامات إيجابية أنه ستتوفر للمستثمرين فرصاً أكثر من ذي قبل إطلاقاً. وانطلاقاً من الاقتصاد العالمي، فإنه يتوقع لسوق الصكوك أن تنمو بنسبة 10% ويزيد. ويعزز هذه التوقعات إصدارات سيادية من أندونيسيا والسعودية. وحتى جنوب أفريقيا أعلنت أنها ستخاطب تلك السوق. وينبئ اهتمام لاعبين تقليديين  مثل جولدمان ساكس إلى أن السوق قد نضج وبات يمثل موقعاً جاذباً جداً.

ويتساءل مصرف سراسين عما إذا كانت أزمة الإئتمان فرصة أو تهديد؟ لا تزال أسواق الدخل الثابت متذبذبة ولكن مؤشرات الصكوك تعافت بشكل جيد. ورغم أن أحداث أوروبا تخلق بيئة متحدية، فإن سوق الصكوك الناشطة أتت بمُصدِرين عديدين لها إلى الطاولة. وشهد شهر تشرين الثاني (نوفمبر) لوحده حجم إصدار بلغ 4 بليون دولار أميركي؛ وهو ما يشكل إنجازاً لشِقٍ بالسوق. تغير مزاج السوق في كانون الأول (ديسمبر) فمر بما يسمى «عسر هضم» بسبب كثرة المُصدرين في تشرين الثاني (نوفمبر) ونتيجة إشاعات بأن مؤسسات تابعة لحكومة دبي لربما أعادت جدولة ديونها. وسرعان ما بُددت الإشاعات ولكنها حققت عوائد من رقمين لصكوك دبي المستحقة في 2012.

وعمّا إذا كان المستثمرون سيستفيدون مرة أخرى من مثل هذه العوائد، فلا غير الزمن بقادر على التنبؤ بذلك. ويمكن لنا أن نتوقع تنامي حجم السوق، بأقل من 2011 وإن بقي يشكل حقيقة بارزة، بقدوم مُصدِرين جدد للصكوك للسوق وأولئك الذين أخّروا إصدارهم من كانون الأول (ديسمبر) 2011 الصعب إلى 2012. على أن التأخير لا يعني التَّرك.

وبحسب المستشار الاقتصادي عبد الفتاح فرح تعود بواكير الإسهامات الأكاديمية المتخصصة من فقهاء بهيئات رقابة شرعية بالكتابة حول الصكوك بأوائل العقد الأخير من القرن العشرين. والصكوك هي صيحة تمويلية جديدة مبعثها فقه المعاملات في الشريعة الإسلامية تسد فجوة وتلبي حاجة افتقدتها البنوك الإسلامية لشراكة حقيقية بين عوامل الإنتاج الممولة للتنمية بصيغ مضاربة ومشاركة اعتمدت عليها بنوك إسلامية.

وتنبع فكرة استصدار الصكوك من صيغ معاملات شرعية معهودة من إجارة واستصناع ومضاربة وغيرها كتطوير مواكب لمتطلبات عصر تمويلية كبديل عن سندات تتعامل بالفوائد المصرفية.

وما أن ظهرت الصكوك حتى اشتهرت وانتشرت كأداة معاصرة يقبل عليها مسلمون وغير مسلمين وانتشرت عالمياً، بمعدلات سريعة.

والصكوك لها أنواع عديدة، ويمكن توليف مختلف الصيغ لابتكار صيغ جديدة بما لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية؛ وقد ذكرت هيئة المراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية منها أربعة عشر نوعاً على الأقل منها وتصدرها حكومات أو شركات خاصة.

وبعد يعود مصرف سرسين ليعلي من شأن الصكوك الإسلامية كفكرة استثمارية وكتجربة عملية، بمقاييس لا تقتصر على السوق الإسلامية وإنما تمتد لتنتشر في السوق العالمية ولتغري مستثمرين من بيئات مالية مختلفة. وهذا مؤشر على أن الصيرفة الإسلامية تستطيع أن تأتي بمنتجات تغري المستهلك العالمي، وتلبي الحدود الدنيا من تناغمها مع شروط الشريعة الإسلامية.

وهي تصلح بالأساس لتحرر أموال استثمارات أكثر من بين أيدي أصحابها المسلمين. وهذا هو جوهر الموضوع في نشوء وتطور الصيرفة الإسلامية. ولقد قيل كثير بهذا الصدد، ولكن أهمية قوله حاضراً هو القلق الذي انبث في أوساط صيارفة خليجيين حينما هبت رياح الأزمة فأنزلوا أشرعتهم خوفاً من الإبحار. فبتواتر الأيام يتضح خطأ وقع فيه مستثمرون ومؤسسات مالية وجهات تمويل حين قبضوا ذات اليد لمجرد حدوث الأزمة المالية العالمية، وقالوا أن ما يحدث بنيويورك ولندن وباريس قادم لامحالة لدبي والبحرين ومسقط، وخاصة بالنظر لما تمتلكه الصناديق السيادية من استثمارات بدول الغرب، والإنخفاض الطارئ والعابر لأسعار تلك الإستثمارات مع بقاء قيمها على حالها بانتظار تغير ظروف.

لا يعرف المرء مدى صحة الصيحات الخليجية من صعوبات تمر بها مؤسسات محلية بسب انكماش أموال التمويل وبالأخص الأموال المتاحة للشركات الصغيرة والمتوسطة. على أن مظاهر عديدة تنبئ بأن النقص هو في عزائم الاستثمار وليس في الفرص أو أموال التمويل.

وإذا كان هناك من خبرة أساس تستقيها الجهات الخليجية من أزمة 2008 فهي أنه آن الأوان لكي تصيخ السمع لنبض السوق الخليجي، وأن تأتمر بأوامره وليس بإيعازات عواصم المال التقليدية. آن لها أن تشب وتعي أن أجنحتها قد باتت مستعدة للتحليق، وأن تعيد النظر فيما تأخذ به من مقاييس حين اتخاذ قراراتها.

لربما سيقرأ آخرون بعد حين ظروف أحداث 2008 ومآلها ولربما سينتهون إلى أنها شكلت للخليج فرصة وليس أزمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق