الاثنين، 3 سبتمبر 2012

ساراسين–ألبن .. الأزمة القادمة ونعامات السياسة

 يحب أحد الحديث عن الأزمات، ولا يريد أغلب البشر أن يكونوا ناقلين أُول لأخبار سيئة. والأمر ذاته بالاقتصاد، حيث يفضل كثيرون تجاهل الطوالع المقلقة لكلفها البالغة على الاستقرار. وهناك صمت مريع يخيم على توقعات تتعلق باقتصاد الدول المتقدمة واستقرارها الاجتماعي وذيول ذلك على بقية العالم.
 
وأخيراً تشجع أحد المصارف ليتحدث مبكراً عن أزمة قادمة، على أنها لن تكون مثل سابقاتها عمقاً واتساعاً ومرارة. فقد كرّس الرئيس التنفيذي للاستثمار في بنك ساراسين، فارنهولت بوركهارد ملف المصرف الشهري بإصداره الأخير للتحدث عن توقعات بأن اقتصادات الدول المتقدمة تغذ السير حثيثاً للوقوع بأحد أكبر الأزمات في التاريخ البشري. وستعبر الأزمة عن نفسها مستقبلاً عبر تزايد ثلاث ظواهر: نمو ديناميكي للديون الخاصة والسيادية، وتغيرات ديمغرافية غير مسبوقة بجميع أنحاء العالم وعجز غير معلن في برامج التأمينات الإجتماعية بدول غربية متقدمة اقتصادياً.
 
والمصرف السويسري المنشأ معروف دولياً وخليجياً: فله أفرع بالبحرين وعمان والإمارات وقطر. ويحرص على أن يرفق أبحاثه الشهرية الصادرة بالإنكليزية بترجمة مختصرة بالعربية.
 
يعرض التقرير أنه بالنظر لاتجاهات ديموغرافية مقلقة تتعلق بتزايد السكان وطول متوسط العمر فستتفاقم أعباء الدين العام المصرح به لدول منظمة التعاون الإقتصادي مستقبلاً بمطلوبات حكومية تسببها استحقاقات اجتماعية تعاني نقصاً في التمويل وسوء تقدير للتغييرات الديموغرافية. ستصيب المشكلة معظم دول المنظمة، وهي الأكثر تقدما بالعالم، وستتزايد سرعة تفشيها بسنوات قادمة لأسباب: ارتفاع معدلات إعالة كبار السن المؤثرة كثيراً على نظم إعادة توزيع الدخل المعمول بها حالياً. وثانيها أن معظم التأمينات الاجتماعية تبالغ في تقدير أصولها مما يصنع تفاؤلاً مفرطاً بالمستقبل والإيرادات ومكاسب رأس المال المتوقعة.  والثالث: تضاؤل قدرة مؤسسات تأمينات اجتماعية على امتصاص المخاطر. 
 
ولمعرفة ضخامة ما يرتسم في المستقبل، تتوجب الإشارة إلى أن الطريق السياسي لكل الدول هو بالاتجاه نحو تبني النظام الديمقراطي: لا شك في ذلك ولاجدال ولامناص. وهو نظام رديء لكنه أثبت جدارة كأفضل من أي نظام آخر. وآخر القادمين الممانعين على لأي: بلدان الربيع العربي.
 
قادة الديمقراطيات الغربية العريقة يقرأون ويعون ما يرتسم في المستقبل لكنهم قصيرو نظر لا يتجاوز عديدون منهم النظر لأربع أو ثماني سنوات. وهي أقصى مدة لبقاء الرئيس الأميركي في البيت الأبيض. وتتفاوت المدد بمثيلاتها من دول أخرى آخذة بالنظام الديمقراطي. وباختصار فهناك دَيْن اجتماعي يتزايد كالغول في المستقبل ويرتبط بتطورات ديموغرافية، وبالتحديد بكل ما يطيل عمر الإنسان، ويمد في تمتعه بصحة أفضل ولسنوات أكثر. على أن ما يبدو كأخبار جيدة يتضمن في واقع الأمر أخباراً تستحث الاقتصاديين للتفكير في مستتبعاتها وتقديم حلول لها. ما يعنيهم هنا هو أن الإنسان ينتقل، بتقدمه في العمر وتقاعده مرتبطا بتأمين صحي، من المشاركة في الإنتاج إلى العيش بالاعتماد على ما راكمه في أيام إنتاجه. ورغم وجود نظم وصناديق تقاعد، إلا أن الظاهر أن حكومات اقتصادات متطورة، وفي مقدمتها أميركا قد سطت على تلك الصناديق وأنفقتها في مشاريع حاضرة بأمل التعويض في سنوات قادمة بالاعتماد على ضرائب تجنيها من منتجين جدد، ودخلت بذلك في دوّامة. أي أنها وبطرائق مختلفة أنفقت ما أودعه جيل سابق لدى مؤسسات تأمين لمستقبل أيامه. وبات متوجباً على الحكومة أن تعيل مواطنين  طويلة أعمارهم وهم بحاجة لرعاية صحية بتكاليف فلكية. وعلى سبيل المثال، قدّرت الحكومة اليابانية قبل أيام، أن أكثر من ثلاثة ملايين مُسن سيحتاجون لعناية لمعاناتهم من الخَرَف، وبما يستوجب إعادة النظر في سياساتها.
 
وارتفع العدد هذا العام إلى 3.05 ملايين شخص، وهو رقم لم يُتوقع بلوغه قبل سنوات عشر. وستبلغ الحالات بعد 5 سنوات 3.7 ملايين، ولتتخطى 4 ملايين حالة عام 2025. وستعيد الحكومة النظر في إجراءاتها لاحتواء المرض. وهذا توصيف لتطور مرض واحد، ببلد واحد. وكان قصر العمر سابقاً، يقلل من حالات الإصابة.
 
على أن المهم من الناحية الاقتصادية، هو أن المصابين عملوا وأنتجوا وأمّنوا على حياتهم وبما يغطي سنوات حياة أقصر. فإن كانت التكاليف قد زادت لطول العمر فإن هذا الامتداد يعرض للإصابة بأمراض مزمنة وبكلف أكبر.
 
والسياسيون أمهر من أن يتحدثوا للجمهور حول تلك الأوضاع. في الحقيقة هم يتصرفون على أساس أنهم سيطرحون حلولا حين وقوع الأزمة وعندما يبدأ الجمهور بمطالبتهم حل المشكلة، عندها سيبرز قادة على المسرح يعرضون المساعدة. وحينها يضحي انتخابهم استجابة لتضرع الجمهور وتنفيذاً لواجب وطني.
 
ولم ينس بيركهارد أن يشير إلى ذلك وليكشف تردد المسؤولين في بحث المشكلة المتفاقمة. ولربما كان في الأمر شيئاً مقصوداً ما فتئ السياسيون يقومون به وينتظرون تفشيه في مجتمعاتهم وهو ما يعرف بالفوضى الخلاقة: تعمد خلق فوضى كشرط ضروري للانتقال لحالة أفضل. وهم بهذا الصدد لا يريدون أن يكونوا داعين أوائل للتغيير، ولكنهم ينتظرون بهدوء حتى تتفجر الأزمات الكبيرة ليقصدهم الجمهور طلباً لسياسات وبرامج انتخابية لم يكن ليقبل بها سابقاً.
 
وبأية حال فحالة الاقتصاد تشبه في جوانب ما ينتظم المشاكل البيئية. فإن كان الإنسان هو المخرب الأكبر للبيئة، بحسب رؤى ناشطون للمحافظة على الكوكب، فإن البشر، لا الغوريلات، هم أمل الكوكب الوحيد لإنقاذه. وتقرير مصرف ساراسين هو ناقوس إنذار مبكر.