الاثنين، 10 سبتمبر 2012

لقاء صلالة ... واستثمارات ظفار

قرأت مرات بيان اتحاد غرف الخليج عن ندوة الاستثمار في ظفار. وأعتقد أنه بداية موفقة لتحقيق طفرة اقتصادية في بقعة خليجية تتزاوج فيها الثقافة مع الاستثمار لتنشيط الاقتصاد.

وبين أهم نتائجه هو عزم حكومة قطر عبر شراكات مع القطاع الخاص القطري والخليجي على الاستثمار في موانئ صلالة وإقامة صوامع وخدمات لوجستية لتعزيز استراتيجيات الأمن الغذائي لدول مجلس التعاون.

وأعلن أيضا تأسيس شركة حديد ظفار بشراكة سعودية عمانية إماراتية تضم شركات الطويرقي وصلالة للتنمية والسويدي، لإقامة مجمع صناعي لإنتاج مليون طن حديد وصلب برأسمال قدره 400 مليون دولار. وسيوفر المشروع 1200 فرصة عمل منها 70% موجهة للعمانيين. وسيؤسس رجال وسيدات أعمال خليجيون شركة استثمارية سياحية.

وسررت بنحو خاص لاحتواء البيان على اقتراحات قدمها الحضور للجهات العمانية المختصة، عبروا فيها عن احتياجاتهم المستقبلية لتحقيق مزيد من التطور والاستثمار. وحين ترسى مثل هذه العلاقة بين أصحاب الأموال والجانب الحكومي، تستقيم الأمور وتحدث التنمية. يجد رجال الأعمال بمثل هذه اللقاءات ضالتهم، وتعثر الحكومات على منصة ملائمة تبرز وسطها اقتراحات مباشرة وواقعية وبكلف معقولة لرسم الخطط الاقتصادية. يريد المستثمرون وجود آذان صاغية وتود الجهات الرسمية بروز قناة اتصال بها اقتراحات مدروسة وعملية. وهذا بعض ما وفرته ندوة صلالة.

فاقت فرص أعمال عرضت  بالندوة توقعات كثيرة، واتضح أن المنطقة يمكنها تحقيق ازدهارٍ كبيرٍ بالاعتماد على النفس خليجياً وتنشيط الحركة الاقتصادية لإقامة سوق حيوية تغري تدفقات لرأس المال من خارج عمان ودول مجلس التعاون. وبشيء من سياسات التحرير الاقتصادي، وإيجاد دوافع وإغراءات يمكن لاستثمارات أجنبية، إن وُظفت، تحقيق  عوائد على رؤوس أموال تعمل في ظفار وبما يفوق عوائد استثمار في دول نامية اقتصادياً، فتزيد من فرص توجه تلك الاستثمارات لعمان. وهذا يحتاج إلى وقت وإبداع وقرارات، ولكن الطريق بات واضحاً في ندوة اتحاد غرف الخليج، والخطوة الأولى قد بدأت. بل أكثر من ذلك.

صدر بيان عن اللقاء مطالباً الجهات المختصة بالدولة: زيادة تسهيلات وحوافز المستثمرين واستكمال بنية تحتية باستمرار تطوير مناطق صناعية وتزويدها بمرافق أساس لتشجيع شركات محلية وأجنبية للاستثمار بالمحافظة. ودعا المجتمعون لتبسيط إجراءات لازمة لإقامة مشروعات استثمارية كإجراءات المحطة الواحدة حيث يجد المستثمر كل جهات الموافقة على استثماره في قاعة واحدة فيسهل التعامل معها ويقل الوقت الضائع في التنقل بين دوائر الدولة المعنية.  وأضاف المجتمعون لذلك الرغبة في تطوير واجهات وبنىً سياحية محلياً بتطوير مرافق عامة وتوعية سياحية وتوفير مرافق تسلية عائلية وأسواق شعبية وطرق. وطلب المجتمعون إشراك القطاع الخاص في مهرجانات وفعاليات سياحية وتعزيز دور الإعلام ووكالات السياحة وغيرها. وأشاروا لأهمية تسريع إجراءات الموافقات اللازمة للمشروعات الاستثمارية من الجهات الرسمية وأهمية الدعم المالي للمشروعات وإعفاء المحلية منها من ضريبة الدخل، وإقرار حق التملك للشركات الأجنبية. وأهابوا بأهمية منح شركات تستثمر بظفار امتيازات الحصول على عمالة دون تقيد بنسبة تعمين مفروضة في محافظات أخرى. وطالب الحضور بزيادة مناطق اقتصادية حرة كداعم لاقتصاد السلطنة وربط الشراكة والاستثمار بنقل المعرفة للقوى العاملة المحلية.

وشهدت الندوة جدلاً حول السياحة وارتباطها بتاريخ ظفار وبقية ولايات عمان. ولربما كان ذلك الربط والاعتناء بتركة المنطقة هو من أبرز ما يشكل مرتكزاً محوريا يدور حوله جدل تنشيط السياحة الخليجية. لن يجد المنقبون في جزيرة العرب ذهباً يجاري ما عثر عليه في مقبرة توت عنخ آمون. ولن يعثروا على مدناً هائلة الحجم كما حال تدمر أو البتراء. ولكنهم سيعثرون على أشياء أخرى ذات أهمية للإنسان، وبينها أسرار انتقال الإنسان الأول حين هاجر في أيام طفولة الجنس البشري من سواحل أفريقيا إلى جنوب الجزيرة العربية في رحلة تمتد لآلاف من السنين. وبعدها بدأ الإنسان في مراكمة إنجازاته وتطوير مخترعاته. ويسند ذلك بنية تحتية تمكن من ذلك، وتوفر للزائر أن يستكمل الأرضية التاريخية لما يراه من مواقع آثارية. وقد حرصتُ دوماً حين أزور ظفار على زيارة مواقع مميزة: متحف ظفار العام، ومتحف اللبان وموقع البليد وآثار الشصر في قلب الصحراء. كل تلك المواقع، وغيرها تشكل عناصر جاذبة للسائح، ويشكل تطويرها فرصاً أمام المصارف الاستثمارية والشركات المعنية للاستفادة منها.

وحين ينشط موقع في دولة خليجية، ويزود بالتسهيلات الحديثة ينفتح باب أمام السوق الداخلية، وتبرز عناصر جاذبة للسواح الخليجيين. وينفتح في الوقت ذاته الباب أمام فرص تقدم نفسها للمستثمر الخليجي للتطوير وزيادة الاستثمارات بها. بل تبرز فرص تكامل بين المواقع. وعلى سبيل المثال فيمكن لرحلة بحرية على سفن عالية الجودة أن تبدأ من الكويت إلى ظفار وبالعكس. ويمكن أن يكون الخط قائماً بحيث يمكن للمسافر أن ينزل في أي ميناء خليجي، ويعود لصعود السفينة مرة أخرى بعد تمضية أيام في الميناء الذي نزل به. ويمكن لجولة برية أن تقتفي خطوطاً مماثلة.

وباختصار فإن مثل هذه الندوات تؤكد تزايد الحركة الاقتصادية بين الدول الخليجية، وتقدم مثلاً تحقق الأشياء لمناطق أخرى ومشاريع أخرى، وتشير إلى حركة تكامل بين دول المجلس تسير متوازية مع تقدير كل من الدول لاستقلالية مشاريعها وخططها ورؤاها. ووسط ذلك تتبلور كتلة اقتصادية تحرص على الموازنة بين أفضل التعاون وأحسن ما بالاستقلالية.