الاثنين، 17 سبتمبر 2012

مجلس التعاون وتركيا .. تبادل دروس الاقتصاد

عادت تركيا للخليج بعد غياب ما يقرب من ثمانية عقود مرت منذ انتهاء الدولة العثمانية وقدوم مصطفى أتاتورك (1881-1938) للسلطة كمؤسس للجمهورية التركية. وقد أراد الرجل لبلاده أن تتوجه إلى الغرب والشمال وتصرف النظر عن الجنوب والشرق حيث مدت الدولة العثمانية نفوذها. وبالتحديد قارَب أتاتورك بين أوروبا والتقدم وربط بين ذلك وبناء مستقبل تركيا الجديدة. ولاحقاً وفي الاقتصاد، بنَت العاصمة التركية إسطنبول خطط اقتصادها لتتكامل والسوق الأوروبية المشتركة. وبعد عقود من الجهود للالتحاق بالركب الأوروبي وجدت تركيا إن سياستها تلك لم تثمر كثيراً وأنه يتوجب عليها مراجعة خطواتها السابقة، وإعادة النظر في ممارسة لم تصل إلى النجاح.

وبنهاية القرن الماضي بدأ المزاج الشعبي بتركيا بالتغير، وأوصل الناخبون الأتراك للسلطة حزباً وحكومة تتوجه إلى مجالها الطبيعي في المنطقة العربية. وأرادت العاصمة إسطنبول أن تستفيد من تركة الدولة العثمانية وتاريخها الممتد لما يزيد على خمسة قرون في علاقاته مع الدول العربية وبينها دول الخليج. وبالنسبة للأخيرة فقد لحظت القيادة التركية النجاح الاقتصادي لمجلس التعاون، ونموه المتسارع فأرادت أن تستفيد من هذا النمو. والتقاها الخليجيون في منتصف الطريق، وسط متغيرات إقليمية تستحثهم على تكتيل الجهود والبحث عن حلفاء. وتوازى الاهتمام السياسي مع التفتيش عن نقاط التقاء اقتصادي داعم للتعاون السياسي وضامن لاستمراريته.

وللبحث في آفاق العلاقات التركية الخليجية عقد مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة، «دراسات»، في الأسبوع الماضي ندوة لبحث العلاقات التركية الخليجية في ظل الأحداث الراهنة بالشرق الأوسط، بالتعاون مع كل من مركز كارنيجي لدراسات الشرق الأوسط والمؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية ومركز الخليج للأبحاث.

وأكد رئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة ومستشار ملك البحرين للشئون الدبلوماسية محمد عبدالغفار أهمية الدور التركي في ظل أحداث يشهدها الشرق الأوسط في فترة بالغة الحساسية.

وبحثت الندوة في فرص التقارب التركي-الخليجي أخذاً بالاعتبار المصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة.

وعرض الباحث في المركز عمر العبيدلي لجوانب اقتصادية في العلاقة. فمن ناحية وبعد كساد اقتصادي عميق مرت به تركيا عام 2001، حققت، في العقد اللاحق، نمواً اقتصادياً. وتضاعف الناتج الإجمالي المحلي لثلاث مرات تقريباً وارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر من معدل  بليوني دولار بين 2_2004 إلى عشرة بلايين دولار لفترة 5-2010. وشكل توسع مجموع التجارة التركية 240% جزءاً أساساً من هذا النمو الاقتصادي.

وبالمقابل ازدهرت اقتصادات مجلس التعاون بالفترة ذاتها: فتجاوز معدل النمو الفعلي للناتج الإجمالي المحلي لكل من الدول الست المكونة  الـ 5% بين 2-2010 (فيما عدا السعودية التي راوح نموها حول 4%). ثم أن نمو دول الخليج قد امتطى في توسعه ارتفاعاً مضطرداً في أسعار النفط وأظهر جلداً حقيقياً بوجه التراجع الاقتصادي الأخير. وترافق انتعاش تركيا والدول الخليجية مع ارتفاع نسبة التجارة بين المنطقتين بنسبة 360% للفترة بين 2-2010. وعكس هذا الارتفاع محاولات لتعاون اقتصادي وسياسي أكبر بين مجلس التعاون وتركيا.

ويخلص عمر العبيدلي إلى أن العقد المنصرم قد جلب رخاءاً اقتصادياً لكل من مجلس التعاون وتركيا. وبينما توسع اقتصاد الجهتين، فقد ترافق الازدهار بتزايد التجارة بينهما، عاكساً تقارباً في المصالح الاستراتيجية المشتركة. على أنه ورغم النمو الاقتصادي، فلا يزال هناك متسعاً للتحسين في الاقتصادين كليهما، يستحث ذلك قلة في التنويع الاقتصادي في الخليج وبطالة عالية ومستمرة في تركيا.

وأكدت تحاليل الاقتصاديين النظرية وتلك التي يستحثها التجريب وجود دور للحرية الاقتصادية في مخاطبة مظاهر التوعك تلك. ويبين مؤشر الحرية الاقتصادية لمؤسسة هيريتج نقصاً في الحريات الاقتصادية في أسواق الخليج للاستثمارات، مما يحد من محاولات التنويع الاقتصادي. وتفتقد أسواق تركيا للعمالة لحرية اقتصادية، مما يعيق  جهودها لتقليل البطالة.

وعلى ذلك يخلص عمر العبيدلي إلى أنه يتوجب على الطرفين  في جهودهما لمزيد من التعاون، سعياً لتوخي النصح من الآخر في الحريات الاقتصادية. وعلى نحو محدد سيتوجب على دول الخليج أن تستفيد من خبرة تركيا في جذب تدفقات استثمارات أجنبية مباشرة في صناعات أخرى بعيداً عن الطاقة وسياساتها الناجحة في هذا الصدد. وعلى أن تحاول تركيا بدورها أن تحذو حذو مرونة تتمتع بها أسواق العمل بمجلس التعاون.

إذا تركيا الآن تعود لدول الخليج مهتمة بالاقتصاد أولاً دون نسيان السياسة أيضاً. ولكنها تأتي لمنطقة بلغت من التطور شأواً، وحققت نجاحات اقتصادية، ولديها سوق واسع بقدرة شرائية كبيرة. ورغم أن تركيا قد ظهرت في قرون أخيرة وحديثة من تاريخ دول الخليج إلا أن حضورها كان بالأساس حضوراً عسكرياً وكانت، كما أطلق عليها في المنتديات السياسية الأوروبية، رجلاً مريضاً يستهلك إنجازات العلوم والتطور الأوروبية ولا ينتجها. وعلى شاكلتها كانت دول الخليج. أما الآن فرغم أن طرفي التعاون لا يظهران عالياً على قائمة التطور الاقتصادي إلا أنهما يسعيان لذلك، ويراكمان في هذا المجال أو ذاك. وينتهجان بدأب سياسات تحديث جلية. ويجدان ما يناقشانه معاً، ويتعاونان فيه، وبما يتجاوز اقتصاد الاستهلاك، إلى رحاب الاستثمار والتخطيط البعيد للأمور. وسيجدان في التاريخ القريب الكثير مما يساعد في ذلك.

الاقتصادات المتطورة تحتاج لبعضها البعض للتشارك في النمو، ولتوفير الأسواق بالتبادل، ولقطف ثمار التعاون بينهما ولتسجيل الحضور الحي بالعالم.