بعيداً عن أية عبارات فضفاضة، ومشاعر بوجود نواقص غير محددة في السوق الخليجية المشتركة، والتي مضى على إقرارها ما يقارب أربع سنوات، قدّم القطاع الخاص مطالباً ستستقر بين أيدي حكام الخليج في أحد اجتماعاتهم الدورية لاتخاذ قرارات حولها.
فقد شاركت الأمانة العامة لاتحاد الغرف الخليجية باجتماع لجنة السوق الخليجية المشتركة بالرياض الأسبوع الماضي. وجرد الاجتماع مطالب تمثل أهدافاً لسنة أو سنتين قادمتين.
فقد شاركت الأمانة العامة لاتحاد الغرف الخليجية باجتماع لجنة السوق الخليجية المشتركة بالرياض الأسبوع الماضي. وجرد الاجتماع مطالب تمثل أهدافاً لسنة أو سنتين قادمتين.
وفي كل مرة تترأس دولة من دول مجلس التعاون دورياً يجهد عاهل تلك الدولة عن مطالب فئة أو قطاع معين ليعمل على تحقيقها أبان رئاسته. ولربما رغب في أن تكون تلك الخطوة إنجازاً بارزاً يضاف لسجل بلده في المسيرة الخليجية ولمنجزاته الرئاسية في تلك الفترة. وطبعاً تشكل هذه الرغبة في الاستجابة لتلك المطالب فرصة لمختلف قطاعات المجتمع لإيجاد حوار منتظم مع الجهات المعنية. ويشكل القطاع الخاص أحد أبرز جهات يحاول رؤساء متعاقبون بمجلس التعاون على أن تشتمل تركة الفرد منهم على إنجاز بذلك.
وعلى ذلك، وإثر اجتماع الرياض الأخير، باتت هناك قائمة محددة بمطالب ملموسة لدى القطاع الخاص الخليجي ممثلاً باتحاد الغرف. وحتى لا يضيع الوقت في مراسلات ورقية، وأعمدة بالصحف لا تجد من يقرأها، سيتوجب على ممثلي القطاع الخاص بكل دولة منفردة العمل على إيصالها للجهة التنفيذية وللمشرعين، بحيث لا يأتي اجتماع للمجلس الأعلى إلا وقد اتخذت الدول الست قرارات بالموافقة عليها أو الاختلاف معها. المهم أن تكون هناك مهمات للسنة أو السنتين القادمتين يجري العمل على تحقيقها بكل دولة منفردة متفادية لعموميات طرائق العمل السياسي العربي التقليدي وتمنيات لاتجد طريقها للتحقيق. باختصار لدى القطاع الخاص قائمة مطالب، يؤكدون حاجتهم للاستجابة لها، عبر قنوات مجلس التعاون وبحسب آلياته.
وكما هو حال التوجه الاتحادي، والممارسة الديمقراطية، فتحقيق مطالب يفسح المجال لبروز مطالب أخرى، وتضحي ممارسة إنجاز مطالب متنامية للقطاع صيرورة وليس خطوة تنتهي بقبولها وتنفيذها. على أن المهم هو الثقة بأن مثل تلك الاجتماعات وانعقاد القمم هي مناسبات تقديم مطالب كل قطاع للوصول لميكانيكية منتظمة تصل ما بين مطالب الناس، ورجال الأعمال من بينهم، وبين مقرات السلطة، ومراكز اتخاذ القرار.
وحدد اتحاد الغرف الخليجية ثلاثة عشر مطلباً واثنتي عشر خطوة عملية كحلول وخطوات يرتجي تحقيقها. وتشتمل القائمة على مطالبة بتوحيد إجراءات خاصة بمنح تأشيرات للعمالة الأجنبية في تنقلها بين دول المجلس ضمن القانون وبارتباطها بأصحاب عمل يعملون لديه.
ويشكو أحد المطالب من اعتماد القطاع الخاص الخليجي على عمالة غير ماهرة وبأجور متدنية أو ذات طبيعة لا تقبل بها العمالة المواطنة. وكان من الممكن بحث هذا المطلب والقيام بتفقد جوانبه من طرق أخرى. وأن تشفع مطالبة اتحاد الغرف بتغييره، بدراسة مرافقة تركز على جوانب مخاطر تبني مثل تلك الخطوة على الهوية الوطنية المهددة في الخليج. فالاقتصاد الخليجي يشكو من معضلة وجود أعداد هائلة من عمالة غير ماهرة ويتطلبها الاقتصاد الخليجي، ويشدد على استقدامها توسع متوقع ومضطرد في السوق الخليجية. وتواجه مثل هذه الحالة حتى اقتصادات أسواق متطورة في بلدان متقدمة، وتتمتع بنظام ديمقراطي فاعل مراقِب لإجراءات الحكومة، أو بنظام حمائي يعطي الأولوية للعمالة الوطنية.
وعلى سبيل المثال فالسوق البريطانية لا تزال تعاني الأمرين من نقيضين ينتجهما ذلك السوق بشكل متزامن. فمن ناحية هناك توسع في طلب على وظائف تبرز من آلية الاقتصاد، وتبرز في وظائف مثل الطبابة والتمريض، وتمتد أحياناً إلى عمال البناء دون نسيان مهن معينة كالسباكة مثلا، أو خدمات المحافظة على نظافة المدن. ويصطدم مثل هذا الطلب بأمرين، الأول: أن المواطنين الإنجليز أنفسهم يشعرون بأن بعض تلك المهن لا تتناسب ومهاراتهم، وأيضاً لا تتفق مع مواطنتهم ومستواهم الاجتماعي الناتج من ثقافتهم. وبالمقابل يطالب جمهور بريطاني غفير بإيجاد وسائل لإيقاف هجرة ضاغطة لعمالة أجنبية مستعدة لبيع قوة عملها وبما ينافس العمالة الإنجليزية. والنتيجة هي استمرار تدفق العمالة الأجنبية على السوق البريطانية رغم تنافس السياسيين على تقديم حلول للجمهور ، بعضها وهمي وخاصة في مواسم الانتخابات. والنتيجة هي في توصل حكومات مختلفة لتحديد هجرة متدفقة بأعداد، دون توصل لإيقاف تلك الهجرة نهائياً. وليست بريطانيا وحيدة في معاناتها من تلك المشكلة. ومع ذلك تتواصل أبحاث وجهود لإيجاد حلول لمثل تلك الظواهر.
وسيتوجب على اتحاد غرف التجارة والصناعة الخليجية أن يبذل جهدا بهذا الصدد ولا يكتفي بالمطالبة بالموافقة على خطوات تحل مشكلة رجال الأعمال ولكن لا تأخذ بالاعتبار التدفق المستمر للعمالة الأجنبية التي يستدعيها توسع اقتصاد الخليج مثل أي اقتصاد حديث. ويضاف لذلك أن دول مجلس التعاون وقعت اتفاقيات عديدة حول حرية التجارة والتزمت بمقاييس لمنظمة العمل الدولية تحمي شروط العمل لديها، وتلتزم بمعايير دولية في التعامل مع العمال، وتوفير بيئة إنسانية لهم.
وبالعودة لموضوع العمود، فإن القطاع الخاص بدأ في تسنم الحياة السياسية الجديدة في الخليج. وبدأ في وضع أهداف مرحلية تشكل خبرته وممارسته الاقتصادية. وهو يعطي مثالاً لبقية القطاعات الأخرى في المجتمع لكيفية استكمال مؤسسات العمل الديمقراطي. وهي لا تقتصر على فكرة انتزاع حقوق بمقدار ما ترتبط بممارسة منظمة ومنتظمة لتطبيق الديمقراطية.