في حلقة أولى تستعرض كتاب الهند والخليج كتبتُ الأسبوع الماضي عن خصوصية العلاقة بين عمان والهند، بحسب ما أوردها كتاب يبحث في علاقات الهند مع دول الخليج لمجموعة باحثين وبتحرير بي كومارأسوامي وأصدره معهد الشرق الأوسط بنيودلهي. وأسرد هنا استنتاجات خلص إليها الكتاب كخيارات أمام صناع السياسة الهنود ليأخذوها بالحسبان في السنوات القادمة.
وحين استعراض علاقات الهند مع دول الخليج جردَت فصول الكتاب العلاقات مع دول مجلس التعاون الست وأضافت العراق وإيران واليمن كدول تؤثر وتتأثر بدول المجلس فرادى ومجموعة. وأضافت الدراسة فصلاً يبحث بالعلاقات مع مجلس التعاون ككيان اقتصادي ينظر في المشترك من السياسات بين أعضائه الستة ومع شبه القارة الهندية.
يوصي الكتاب بالاستعداد لما يسميه بالتعريب، حيث يتوقع أن يزيد الربيع العربي ومصاعب اقتصادية تالية من دعوات لإعطاء فرص أكثر للمواطنين العرب بدل الأجانب، وعلى نحو أخص في عمان والبحرين لامتلاك الدولتين مصادر اقتصادية أقل مقارنة مع دول خليجية أخرى. وستتضح أبعاد تلك الاتجاهات، على أن على الهند أن تحضّر نفسها لطلب يتقاصر على العمالة الهندية والنتائج الاقتصادية التالية.
وينادي الكتاب بضرور انغماس الهند أكثر اقتصادياً في الخليج وخاصة في البحرين واليمن واتباع سياسة استثمار هندية توفر فرص عمل أكثر أمام عمالتها في دول الخليج.
وبالنظر إلى تعثر مفاوضات التجارة الحرة بين الهند ودول الخليج، فلربما كان من الأفضل لو سعت الهند لمعاهدات تجارة حرة منفردة مع كل دولة على حدة، ويسمي عمان على وجه التحديد، مع الاستمرار في السعي لمعاهدة مع مجلس التعاون.
وبشكل خاص يدعو الكتاب لاستكشاف إمكانيات تحقيق تشارك استراتيجي مع عمان. فمضيق هرمز يمر به 35% من تجارة النفط المحمولة بحراً، و20% من تجارة النفط العالمية وهو مضيق مهم استراتيجياً لكل القوى الرئيسة، بما فيها الهند. وحيث أن الأخيرة قريبة جغرافياً منه يتوجب عليها تقوية حضورها العسكري والأمني في المنطقة. وتتوقع مادة الكتاب لعمان أن تلعب كدور لعبته سنغافورة في سياسة للهند عرفت بـ «الاتجاه شرقاً.» ويتم ذلك عبر تكثيف التعاون الأمني مع السلطنة. وفي فترة محددة سيتوجب على الهند، برأي كاتب البحث، أن تؤسس لحضور بحري على الجانب العماني من المضيق.
ولن تستطيع الهند، بحسب الكتاب، الإفلات من مواجهة التوترات الإقليمية العربية الفارسية والتي تطفح بوضوح في البحرين والعراق. وبينما يصعب خيار اتخاذ موقف منحاز، وإلا أنه لن يتاح للحكومة الهندية أن تنأى بنفسها عن مواجهة محتملة.
وبالنظر لشبه غياب المنظمات المدنية أو أنها تكاد أن تكون معدومة أو غير موجودة بالكامل فلا توجد قنوات بديلة للتأثير على الأنظمة بدون الاتصال الرسمي. وعلى ذلك يتوجب على الحكومة الهندية أن تبقى متصلة دورياً مع قيادات تلك البلدان وبأعلى المستويات.
وسيتوجب أيضاً تعلم كيفية التعامل مع الولايات المتحدة، وقد حولها طول الحضور وممارستها لقدرة التأثير على المنطقة لأن تصبح قوة خليجية بحكم الواقع. وتشكل بعض سياساتها مساعدة بينما يورد بعضها الآخر المهالك. وعلى ذلك يتوجب على الهند التحلي باتساع البصيرة إن قيضت لها الفرصة لأن تتفادى كمائناً مثل الدعوة لتطبيق المقاطعة النفطية على إيران، بحسب وجهة نظر أوراق العمل المنشورة بالكتاب.
ويدعو الكتاب الهند لإعادة تنظيم أولوياتها، فروابطها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والثقافية مع الخليج تفوق في خطورتها روابطها مع جيرانها المباشرين. فاستقرار المنطقة تتعاظم أهميته للاستقرار العالمي والنمو الاقتصادي. ويوفر الخليج تحديات وفرص. ولقد أزف الوقت لتعيد الهند النظر من تمحور سياستها الخارجية حول جنوب آسيا. فمستقبل الهند يقع حول خليج مستقر يتقدم باستمرار.
ويدعو الكتاب الهند إلى القبول بحالة انقسامات بالمنطقة. فالأجواء السياسية القائمة لن تسمح بتفاعل ذي معنى مع جهات ليست رسمية في عديد من دول الشرق الأوسط. ولا يجب أن يمنع ذلك الهند من الاعتراف بحالات تجزؤ وتصدع في الشرق الأوسط وتجمع لأقليات به وسبر دورها الاجتماعي والسياسي وأهميتها الناتجة.
وتتهي التوصيات إلى أن تتعامل الهند مع تسميات شائعة في الشرق الأوسط والخليج.
وكما تقدم الأبحاث والاستنتاجات نفسها لصنّاع القرار في الهند، تعرض المادة نفسها لقطاع ليس بالضيق من المعنيين بالشأن العام في دول مجلس التعاون. ولا يغيب لقارئ تلك الأوراق من رؤية تغير في الموقف الهندي يبقى في تفاصيله مرتبط بالأحداث والمتغيرات السياسية والاقتصادية. وستأخذ شبه القارة الهندية فترة أطول لبلورة ذلك التغير، فالسفن الكبيرة تحتاج لوقت أطول من الأصغر حجماً للتقرير ولتحقيق الدوران. ولكن هناك الكثير مما قد يستحث الجهات المعنية في نيودلهي في إحداث التوجه. ويود عديد من صناع
القرار هناك النظر عن قرب لدول الخليج. وتعكس المؤتمرات الإقليمية مثل هذه الرغبة.
ومثلما ستغير الهند من نظرتها وتركيزها على الخليج في سياستها القادمة سيتوجب على الخليجيين تقليب النظر في أمورهم. وحالياً هناك توقع لأن تقود الهند والخليج العالم من الناحية الاقتصادية في مرحلة التعافي من الأزمة المالية. ويمكن حين بحث ذلك الأمر العثور على مصالح مشتركة كثيرة، ورؤى متماثلة بين الكتلتين الاقتصاديتين البازغتين. ويمكن لصناع القرار الخليجيين البدء باستعراض الخيارات المعروضة أمام الهند حالياً، للتعرف على ما يمكن أن يشكل موقع لقاء مشترك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق