الاثنين، 18 فبراير 2013

عمان والهند: خصوصية العلاقة

تضرب العلاقات العمانية الهندية جذورها في التاريخ، وتتسع آفاقها للحاضر والمستقبل. وضمن علاقات الهند بدول مجلس التعاون تأخذ العلاقة مع عمان منحىً شديد الخصوصية. ويصفها كتاب لمجموعة باحثين وبتحرير بي كومارأسوامي وأصدره معهد الشرق الأوسط بنيودلهي بأنها لا تقتصر على وجود جالية هندية تسهم في نشاطات اقتصادية لعمالة ماهرة وغير ماهرة، وإنما تتجاوز للتشارك في التجارة والاستثمار والمشاريع والإنتاج. ولا تزال الهند بانتظار زيارة مؤجلة لصاحب الجلالة السلطان قابوس حالت ظروف دونها عام 2011، لتتوج علاقات وتفسح لآفاقٍ مستقبلية لها.

وبالمقابل تركت زيارات ثلاث أثراً إيجابياً دفع العلاقة للأمام: زيارة صاحبي المعالي الوزير المسؤول عن شؤون الدفاع السيد بدر بن سعود البوسعيدي ووزير التجارة مقبول بن علي للهند وقدوم وزير الدولة الهندي للشؤون الخارجية إداب أحمد لعمان.

ويتشارك البلدان في تجارة ثنائية نشطة بلغت 1.98 مليار دولار في 09-2008 وارتفعت إلى 5.1 مليار دولار عام  11-2010. وتشكل الأنسجة والآلات والمواد الكيميائية والحديد والصلب وأغذية كالشاي والقهوة والبهارات والأرز واللحوم والمنتجات البحرية أهم مستوردات عمان من الهند. وبالمقابل تصدر السلطنة للهند نفطاً وغازاً وبوليبروفايلين وزيت تشحيم وبلحاً. وتأتي الهند كخامس بلد تصدر إليه عمان، بعد الإمارات واليابان والولايات المتحدة والصين، والدولة الثالثة لصادرات عمان من النفط الخام.

على أن الثقل الحقيقي لكل من طرفي العلاقة هو في نوعية الحضور الذي يتمتع به كل بلد لدى الآخر. فتعمل حالياً في عمان  140 شركة هندية، ويقيم حالياً بها ما يقرب من 350 ألف هندي يشكلون الجالية الأجنبية الأكبر بعمان. ويسهم أولئك في أنشطة صحية وتعليمية وبالزراعة والبناء. ومن مكونات الجالية عائلات هندية سكنت عمان منذ عشرات السنين وعاصرت المتغيرات العمانية في القرن الماضي ووجودها يزيد من تفرد العلاقات الهندية العمانية، ضمن النسيج الخليجي.

ولا تخلو العلاقات الثنائية من أفكار مثيرة للانتباه. فمع حلول 2011 طفت على السطح فكرة إنشاء خط أنابيب عماني هندي إن أقيم سيفضي لحصول الهند على مصدر للطاقة لا يكلفها رسوم نقل باهضة. وعلى الجانب الثقافي تحتضن عمان 30 أكاديمية و19 مدرسة ترتبط بالمجلس المركزي للتعليم الثانوي بالهند. وحين زار الوزير الهندي للشؤون الخارجية أحمد مسقط في يونيو 2011، قال بأنه يفكر في طلب رخص لمدارس أكثر. وتخدم تلك المدارس جالية هندية يبلغ عدد المسجلين قانونياً بها 582 ألف فرد بينما يُعتقد بأن الرقم الحقيقي يقارب 700 ألف هندي يعملون في مختلف ولايات السلطنة.

ولم تخل العلاقات الثنائية من بعض توترات، تعود في كثير منها لبعض ما يشير له الكتاب لمآخذ على معاملة المستخدمين لعمالة هندية. وأصبحت الشكوى منها وعليها تشكل محور محادثات وتفاوض بين الجانبين. وتشكل فئة خدم البيوت الأكثر تأثراً بذلك العامل.
ولكن هناك دولتان تعتبرهما الهند ذاتا أثر على طبيعة واتساع وتشعب العلاقات العمانية الهندية. الأولى هي الباكستان وبما تحتفظ به من علاقات دينية من جهة ولوجود ارتباط من نوع خاص بين عمان وإثنية البلوش والذين قطنوا ميناء جوادر والذي كان تابعاً لعمان لردح من الزمن.

وتجد الهند في الصين أيضاً منافساً اقتصادياً وثقافياً لها في عمان. وقد تضاعفت العلاقات التجارية بين السلطنة والصين ثلاث مرات بين 1978 و2011، ورغم أزمات مر بها العالم. وتحتل الصين مكانة مميزة في الميزان التجاري العماني لأن عمان تستورد منها مواد غذائية أساس ومنسوجات وتقنيات يزداد اهتمام السلطنة بها.

على أن الكتاب يشير لنجاح السلطنة والهند في إقامة علاقة ذات جوانب متعددة دون الاصطدام بعلاقات يقيمها كل بلد بشكل مستقل. ويعتقد الكتاب أن العلاقات الهندية العمانية هي الأقوى بين نيودلهي وعاصمة خليجية.

ويخلص الكتاب إلى أن العلاقات الثنائية قد شهدت تطوراً كبيراً في السنتين الأخيرتين، وأن مزيداً من التواصل البشري سيدفع بنمو العلاقة.

ويتوجب القول أن الهنود بشكل عام ليسوا بكثير إعجاب بسياسة بلدهم الخارجية، ويعتقدون بأن ما تحققه الهند من خطوات يقل كثيراً عن قدرتها ودورها العالمي. ولا ينظرون بود كبير لسياسات دولتهم الخارجية لفترة طويلة تلت استقلالهم عام 1947 واتسمت بطابع شديد التأثر بمعاداة الغرب وسياسة اتبعهتا بريطانيا بالهند لإدارة شؤون الخليج من مومباي. ولذلك قضت دولة الاستقلال الهندي ردحاً من الزمن بعيداً عن النظر إلى الخليج من زاوية مومباي أو نيودلهي وفضلت إقامة علاقات وثيقة مع القاهرة ضمن منظومة الحياد الإيجابي والدول غير المنحازة. وكانت تنظر إلى الخليج عبر رؤية عربية لها تأخذ باستمرار تحالف خليجي غربي.

ولكن الهند تعيد النظر بسياساتها الخارجية، تستحثها متغيرات اقتصادية وسياسية بدول مجلس التعاون وحضور هندي واسع بمنطقة الخليج تتطلب إعادة النظر في كثير من ثوابت سياسة الهند الخارجية. ومع إيلاء الاقتصاد والتواصل البشري والقرب الجغرافي أهمية عليا بالأجندة السياسية للمنطقتين فمن المتوقع أن يكون هناك تقارب أكثر بين كتلتين اقتصادية بازغتين: كتلة هندية وكتلة مجلس التعاون الخليجي. وعَبَرت الكتلتان بنجاح أزمة 2008 المالية، وباتتا تشكلان مواقع لاستعادة الحيوية الاقتصادية والتعافي المالي ليس على المستوى المحلي أو الإقليمي ولكن على مستوى العالم أجمع. وتشكل الكتلتان مصدر نمو اقتصادي أساس يسهم في جهد عالمي لمغادرة أجواء الأزمة المالية، وتجاوز مطباتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق