وسط حضور مكثف في حدث اقتصادي لشباب عجّ بهم بيت التجار (مقر غرفة صناعة وتجارة البحرين) التقيت بمسؤولة العلاقات الدولية لشركة «فاشن إيريبيا،» سها بوخماس، ومديرها محمد أحمد. وتخطط الشركة لتعمل كمنظم لمعرض أزياء صممها بحرينيون أو خليجيون أو عرب. «سنعمل بحسب مقاييس دولية، وسنعرض لتصميمات بمعايير عالمية، سنبدأ في روما وبعدها في ميلان في أكتوبر القادم» شرح محمد. قلت لنفسي: قطعنا نصف الشوط، ولم يبق إلا نصفه الآخر، وهو أن تكون خدمة التنظيم والتصاميم المعروضة بأسعار تنافسية لتقنع المشاركين والمقتنين بأن ما يحصلون عليه يستجيب لحاجاتهم، وبسعر يتنافس وسلع مشابهة، وبجودة خدمات لمثيلاتها في السوق أو أحسن فيحدث البيع، وتكتمل الصفقة.
قبل سنين وحين كنت أتردد على معارض تقيمها غرفة التجارة البريطانية العربية في لندن، كان يستوقفني التفاوت القائم بين مستوى سلع معروضة لبلد عربي، ومقاييس المستهلك البريطاني. كان منظمو الحدث يتصرفون بلباقة وكياسة إزاء معروضات لا يستطيعون تحسينها. كنت أخجل لرؤية منتجات أدوات كهربائية بسيطة كالموصل الكهربائي مثلاً لمستوى إنتاجها المتدني. وأتذكر مسلسل كوميدي لدريد لحام يتحدث فيه عن صمام كهربائي ثبت في قلب والدته فأرثي لحالها ولحالي. ونصف أوصاف دريد تكفي للانخراط في بكاء مرير.
وعودة إلى مشروع الأزياء العربية، فمن الجيد أن يكون مفهوم المستوى العالمي متداولاً بين رواد أعمال بحرينيين، وخليجيين، ويعلنون التزامهم به، وانتشاره في أوساط الشباب منهم. وهذا أمر مفيد واقتفاؤه مهم للحاضر وللمستقبل. للحاضر لأن عناصر كثيرة تجتمع لتمكّن بحرينيين وخليجيين من استمرار العيش بمستوى دخل مرتفع لأسباب أهمها امتلاك دول الخليج لثروات نفطية لا يزال الطلب عليها عالياً وكمياتها وفيرة لتضمن مورد دخل مرتفع على مستوى الدول والأفراد. أما المستقبل فهناك القليل من الضمانات لاستمرار الحال على ماعليه. ودول الخليج كلها تنادي لاتباع سياسة تنويع اقتصادية. ففي أيامنا رأينا انهيار صناعة الفحم في بريطانيا وكان توافره أحد أسباب نجاح الثورة الصناعية في إنجلترا. ولا نزال نتابع تدهور اقتصادات غربية، إزاء صعود الهند والصين، لتقديم الأخيرتين لسلع وخدمات تتفوق بقلة الكلفة وضمان الجودة.
أطرى رئيس غرفة البحرين عصام فخرو على استضافة الغرفة للحدث وبيّن بأن الملتقى قد تميز بشكل كبير لأنه ناقش باستفاضة وبأسلوب عملي يتفادى التنظير بتحفيز وتمكين الشباب لدخول عالم التجارة الحرة عبر استثمار وسائل تكنولوجية حديثة بينها التجارة الالكترونية. وبيّن فخرو بأن الغرفة ستسعى دوماً لتحفيز طلبة وأساتذة جامعات ومعاهد متخصصة للإتيان بحلول إبداعية في مجال التجارة الإلكترونية، وكيفية تحويل الأفكار إلى مشاريع قائمة.
وباختصار فإن البحرين وبقية دول الخليج مقبلة على حركة ريادة أعمال يجب أن تتهيأ لها لاكتشاف آفاقها، وشروط الإبحار الناجح بها. وليس هناك من ضمانات لذلك عدا ما شهدته مناطق أخرى من العالم، وتمر به وسط أحد أصعب الأزمات التي يجاهد الجميع لاجتيازها بنجاح.
لقد جلبت قيادة مجلس التعاون الاقتصاد العالمي بشروطه وبإيجابياته وسلبياته إلى عواصم دول الخليج. ولا رجعة في ذلك. وتركت تلك الخطوة آثاراً ليس أقلها وجود بطالة حقيقية ومُقنّعة بين الخليجيين. ولكنها أحضرت أيضاً معها أفكاراً واقتراحات لحلول، وبينها فائدة الانضمام للسوق العالمية، وأول شروط النجاح به الالتزام بالمعايير الدولية.
لطالما أقيمت مشاريع صناعية عربية لأغراض سياسية، وفي ظل صراعات الحرب الباردة. لم تكن الدول التي أنشأت تلك المصانع قد أقامتها وفي جدول أعمالها أن تسوق منتجاتها في السوق العالمية. أقيم عديد منها تلبية لاعتقاد بأن حماية الدول الوطنية الناشئة يتطلب خوض غمار الصناعة. كما أنها وبخياراتها وتحالفاتها التي عقدتها وبالخطط التي وضعتها أنتجت سلعاً سيجري تسويقها داخلياً وسط سياسات حمائية وهي المرتع الخصب للمنتجات المفتقدة للجودة. وحينما تمتد تلك الحالة عبوراً للحدود يصبح التصدير للبضائع والخدمات قائم على التحالفات السياسية بين الدول، وتبادل سلع تتفادى الكفاءة، فتتردى مقاييس المستهلك والمنتج. وسرعان ما يعتاد المستهلكين على بضائع كاسدة من الدرجة الثانية.
وما يُصنّع في الخليج يُعد للتصدير وللمنافسة في السوق العالمية. ويشكل ذلك علامة فارقة في التطور الاقتصادي العربي. والأمثلة كثيرة. ففي الصناعة القائمة على البحث العلمي تنتصب صناعات البتروكيماويات والألومنيوم. وإذ بدأتا بمساعدة تقنية غربية إلا أنهما سرعان ما شكلتا مركز تفوق صناعي. وكلا الصناعتين تجهدان للتصدير وبحسب مقاييس مشددة للسوق العالمية. والحقيقة أن الدول الخليجية لم تذهب بنفسها لتبيع بضائعها في السوق العالمية بل إنها أحضرت السوق العالمية إلى دول مجلس التعاون عبر اتباع سياسات حرة في التجارة المحلية. وفي الصناعات الخفيفة والغذائية بنحو خاص فالمنتجات تعرض جنباً إلى جنب مع مثيلاتها الأجنبية في أسواق المملكة. وحينما أرادت البحرين أن تشجع النساء على العمل من منازلهن، وفرت وسائل للتعليب والتسويق تستجيب للمقاييس العالمية، وأضحت مناسبات العرض تشكل عامل جذب لمستهلكين يقبلون على الشراء ليس من باب التضامن مع صناعة ناشئة ونساء ينخرطن بإصرار في سوق العمل، وإنما لأن المنتج بسعره المطروح يشجع على الشراء.
ولكن المسألة تتجاوز مثل هذه الأمثلة إلى أمور أكثر جدية وأكثر إيغالاً في الاقتصاد. على أن المبدأ واحد، ولذلك تفكر سها بوخماس ومحمد أحمد منذ البدء على اتباع المعايير الدولية. والخطوة الأولى هي الأصعب دوما.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق