يحدث التغيير في مدن دول ذات اقتصاد قائم على الموارد الطبيعية بحسب مقاييس قديمة. فالاقتصاد ينشط بفعل زيادة حجم الناتج الطبيعي، وتستخدم المقاييس الكمية، ويعتمد الاقتصاد بها على المواد الخام. وتنمو شبكات المواصلات الجَماعية. وتنتشر بين جنباته ممارسة الدعم الحكومي. ويوزع الأخير كمنح ودعم مباشر. وتقوم دعائم الاستخدام على كلف واطئة وإيجارات منخفضة.
وبالمقابل يتصف الاقتصاد القائم على المعرفة في المجال نفسه بأخذه بمقاييس الجودة القائمة على الكيفية. وتتصف حركة المدن به باعتمادها على إنتاج المعرفة بركونها إلى الأبحاث والتطوير، وبث ثقافة الإبداع، وتمويل الاختراع والاحتفاء بمنجزاته. ويعتمد ذلك الاقتصاد على مزودين محليين، وعلى بنية أساس متينة، ويعيش سكانه في ظروف معيشة جيدة. ومقابل الدعم الحكومي توجد بيئة تشجع الأعمال، وبدل الإعفاء الضريبي تتأسس أرضية مؤاتية ومستقرة، وينشأ نظام فعال وعادل للترويج. وتتأسس تقاليد جاذبة للرأسمال والاختراع وعمالة مؤهلة. جاء ذلك في ورقة لساميا نور الخبير الاقتصادي واستاذ الاقتصاد في جامعات عدة.
ليست دول الخليج متطورة اقتصاديا بشكل كاف، ولكن يصعب تجاهل مجريات الأمور بها، وتطور اقتصاداتها، وصدق نياتها في التنويع. ووسط كل ذلك التغيير، تتزايد دعوات محلية وعلى مستوى مجلس التعاون لاستخدام العلوم والمعرفة والبحث والتجريب لبلوغ هذا الأرب. ورغم كثرة ادعاءات عن اختراعات حققها أناس في موقع البحث العلمي إلا أن الراجح أن الاستفادة التطبيقية من تلك المتغيرات محدودة. وللآن لم يسمع المرء عن انجازات علمية حققها مخترعون خليجيون ترتبط بعجلة الإنتاج، ولم يشهر عن حل تقني لمعضلة إنتاجية باعه منتجه لدول وشركات أخرى. ولا يعرف إلا القليل عن مكتب لبراءات الاختراع التابع لمجلس التعاون الخليجي وعن أثره. ويسجل المكتب سنوياً عشرات الاختراعات في مناحي الإنتاج الدقيقة.
ومع كثرة تلك الأعمال إلا أن وقعها العملي على سوق الخليج ليس معروفا. ولا يستطيع المرء أن يكفر بكل شيء، ويتجاهل كل المتغيرات. لكن الجهود العلمية لاتزال بعيدة عن مجتمعات الخليج ولا تلامس تشكيل اقتصاد معرفي، يُنتج ويبيع ويطور منتجات العقل البشري الفذ. ولا يتملك مسؤولون كثيرون عظيم اهتمام بحركة الإبداع والكشف والاختراع وبدل تشجيع تطويرها يترك المبدعون يعملون دون كثير اهتمام بالمواصلة. وباختصار ليست هناك بنية تحتية قائمة تدعم الحركة العلمية، وتقوم بتوفير الاستثمار المكثف في تلك الجهود.
وتبدأ البنية مع تشجيع الصغار على الاختلاف والتفرد ومد البصر بعيدا عن حدود قائمة، حدود أي شيء. ويدعمون بألا يتوقفوا عن حدود رسمها الإنسان في مرحلة من حياته، ويستمروا في عمل جيد بدأ ولا يتوقفوا عند مرحلة تعليمية أو إنجاز أكاديمي معين.
ثم الأهم هو إبقاء النظر والسمع قريبين من نبض السوق ودوران عجلة الإنتاج. ودون استبعاد أهمية التدريب النظري البحت والإبداع تحت مظلته، تبقى الاهتمامات مرتبطة بالسوق ومكوناته والكشف عن عراقيل تطوراته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق