درج كُتّاب من دول مُستَعمَرة على التوجس خيفة من أية محاولة غربية حكومية أو من أفراد للعودة إلى بلدان خضعت يوما ما للهيمنة الغربية (بمختلف المسميات: مستعمرات، أو محميات، أو علاقة تحالف). وصُكّ مفهوم الاستعمار الجديد لتسمية جوانب من تلك الظاهرة. على أن هناك اتجاها يتمثل في رجوع أفراد ومؤسسات للاستثمار في عواصم المستعمرات، للاستقرار فيها، لأسباب تتعلق بتحولات اقتصادية بتلك المدن. والعودة هذه الأيام ليست إلى دول الامتداد الغربي مثل استراليا وكندا ونيوزيلندا وإنما إلى عواصم دول مثل موزمبيق وأنجولا.
خصصت قناة الجزيرة حلقة للبحث في تلك الظاهرة الجديدة، ورصدت مغادرة جيل جديد من الكفاءات الغربية إلى بلدان مستعمرة سابقا لافتتاح مشاريع بها، مع احتمال كبير للإقامة الدائمة بها. استقرت أجيال سابقة على خلفية سيطرة بلدان الأم، وفي مثل موزمبيق وأنجولا كانت البرتغال هي الدولة المسيطرة. الآن يعود أوروبيون لتسويق خبراتهم والاستفادة من مدن ومجتمعات على وشك أن تحقق نموا اقتصاديا ملحوظا، وليكونوا من ضمن هذا النمو. والمهاجرون الجدد، يذهبون ليس لتحقيق مداخيل أعلى ودفع ضرائب أقل ولفترة من الزمن يراكمون فيها ثروة يحملونها معهم ويعودون بها لبلدانهم الأصل. هذه المرة الوضع مختلف. فأزمة 2008 كشفت عن عوائق كبيرة وعضوية في اقتصادات البلدان المتطورة. وأظهرت الأزمة تجذر عوامل الانكماش في تربة، بينما لا تزال الثروات والفرص قائمة بالمستعمرات السابقة، تنتظر خبرات وأحيانا استثمارات صغيرة.
ويضاف لذلك اتجاه آخر يجد فيه الأوروبيون راغبين في مغادرة أوطانهم: انعدام القدرة على التنافس في بلدانهم. وعلى سبيل المثال فالخريجون الجدد من كليات الطب والتمريض البريطانية يجدون صعوبة حقيقية في التقدم للوظائف في المؤسسة الوطنية للخدمات الصحية البريطانية بشروطها المالية المتشددة يوما بعد يوم والضاغطة على الأفراد أطباء كانوا أم ممرضات. وبينما يجد أطباء من الهند والعراق مثلا في تلك الوظائف في بريطانيا ترقية لأوضاعهم المهنية، يجد البريطانيون صعوبة في التأقلم مع هذه الظروف ومع الشروط المالية الآخذة في التضاؤل. وبزوال الحدود مع أوروبا وجد عاملون في متاجر التجزئة البريطانية أن القادمين من بولندا ورومانيا يقبلون بتقديم خدمات مشابهة ويعرضون خبرات تنافسية لقاء مردود مالي أقل. وترافقت كل هذه المتغيرات مع وقوع الأزمة المالية العالمية، لتجعل من مدن الخارج أكثر جاذبية. وتختلف الشروط المغرية بها لكون القادمين الجدد مالكين لخبرات يبحث عنها البلد المضيف، وتوجد إضافة لذلك ضرائب دخل أقل، ولربما بيئة عمل أقل تشددا.
وبتزايد الأعداد في المهاجر يتشكل طلب كاف على خدمات كالتعليم والصحة مثلاً فتبدأ شركات تعرض خدماتها في تلك المجالات بمقاييس جودة لا تقل عمّا يقدم في عواصم غربية.
وكانت محاولات شبيهة قبل سنين تواجه بشكوك المحليين. ولكن انحسار الاستعمار وتقدم العولمة كفلا القيام بما يهدئ من روع المتشككين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق