عن الوزير السابق المرحوم يوسف الشيراوي قوله إن البحرين اعتادت ولقرون، على أن تلتفت حين ذِكْر الاقتصاد والتجارة، شرقا نحو الهند، وإن ذُكِرت الحضارة والهوية، تدير رأسها غربا نحو البر العربي. وكان الشيراوي يردد ذلك في الملتقيات العربية التي كانت تستنكر على البحرين، ودول الخليج، استقبالها لعشرات الألوف من العمالة الهندية مما يهدد هوية الخليج من ناحية ويحرم مواطنين عرب من فرص عمل. وظل هذا التفريق في التعامل إزاء العمالتين العربية والهندية قائما إلى أن أتت دبي وفتحت أبوابها أمام جميع الجنسيات تقريبا ضمن سياسة واعية للاستفادة من يد عاملة أجنبية في نمو الإمارة الاقتصادي. وتبنت الدول الخليجية وبينها البحرين تلك السياسة بتعديلات كل بما يناسبه.
وعلى الجانب الآخر تشكو الانتلجنسيا الهندية من ضعف حراك في سياسة بلادهم الخارجية وبمستوى يتناسب وتاريخ شبه الجزيرة، وثقلها الاقتصادي الراهن أو حجمها السكاني. ويذكرون تحديدا تراجع السياسة الخارجية الهندية إزاء الخليج منذ استقلال بلدهم عام 1947 مقارنة بسياسة بريطانية قبلها.
الحضور الاقتصادي الهندي واسع وكبير في دول الخليج الست ولكل بلد مميزاته. فالتواجد الهندي بعمان قديم، وارتبط بتطورات مرت بها السلطنة. وللتجار الهنود علاقات خاصة بالحكّام هناك وقدموا خدمات مالية حين احتاجت لها الأسرة المالكة في القرن الماضي. وهم يعملون على الاندماج في النسيج المحلي.
وطرأت أحداث غيرت علاقة البحرين بالهند، أولها: بروز قراصنة يتهددون حركة التجارة بين باب المندب وقناة السويس. ووجد البلدان نفساهما يقودان كل على حدة قواتهما البحرية في تلك المنطقة. وتحركت الهند متجاوزة سلبية امتدت لعقود وتقضي بالانكفاء إلى الداخل. ولم تحسن حكومات هندية متتابعة التعلم من أوليات التركة البريطانية الاستعمارية في المنطقة. فالإنجليز أداروا منطقة الخليج والمحيط الهندي من مومباي وشكلت الهند والمصالح البريطانية هناك محور الرحى في سياستهم الإقليمية.
والأمر الثاني أن البحرين اكتشفت في أحداث فبراير 2011 أنها بحاجة ماسة
لإعادة النظر في تحالفاتها الدولية، ولإعادة قراءة التزامات دول غربية إزاء أمن المملكة. والتقت البحرين والهند في منتصف الطريق. وكانت زيارات متبادلة رفيعة المستوى وأدت، بين قرارات، لأن تختار الهند البحرين موقعا إقليميا لأول مكتب لاتحاد الصناعات الهندية.
ويتبقى على البحرين حين تنظر لما يقدمه التطور اللوجيستي الجديد أن تخطو خطوات تعظّم الاستفادة من التوجه الهندي. أولها: أن تزيد من تعلم أبنائها للغة أو لغات سائدة في الهند. وبات ضروريا تجاوز الاقتصار على الإنجليزية كوسيلة اتصال بين الطرفين. والأمر الثاني: أن تتعرف البحرين بعمق على الحضارة والثقافة الهندية التقليدية والمعاصرة. وثالث الأمور أن تتعمق أكثر في أسباب التقدم العلمي الهندي الواقع خلف النمو الاقتصادي. فذلك التقدم هو ما عزز تنافسية المنتجات الهندية. وهذه لحظة تستدعي ليس الاحتفاء بالماضي فقط، وإنما التطلع للمستقبل بمسؤولية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق