كان الجبن في البحرين نوع واحد اسمه جبن علب أو ”قواطي“ أو جبن كرافت من نوع تشيدر. ثم تولد منه جبن كاسات أصفر. وبعدها برز جبن عصارات أبيض. ثم تتالت الماركات وكثرت أشكال التعبئة. ومن آخر أنواع التعبئة واحدة سهلة الفتح من إنتاج مصنع كرافت في منطقة البحرين العالمية للاستثمار بالحد. تستثير العبوة الجديدة مسائل عديدة. كانت العبوات السابقة أسطوانية الشكل، وحين الاستهلاك يختار الزبون إحدى طريقتين: أما إبقاء الجبنة الزائدة في العلبة برد الغطاء دون فصله تماما أو تفريغها من الجهتين وإنزال الجبنة كاملة. وإذ يصعب تخزينها، يضطر المرء لاستهلاكها حتى لا يخسرها، فتزداد مخاطر الكوليسترول والسمنة. وإن قدم المرء الصحة على العادات ضحى ببعض الجبنة.
العلبة الجديدة أسطوانية -مخروطية الشكل تستجيب للحاجتين. وتغيير التعبئة تكلف دوائر الأبحاث والتطوير بالشركات الملايين. ولكن ليس عن ذلك كتبت. كنت قد شهدت افتتاح مصنع كرافت في موقعه بمنطقة الاستثمار. وقيل حينها إن المصنع سيركز وإلى فترة قادمة على إنتاج مشروبات «تانغ» من مستخلص الفواكه. ويبدو أنه زاد قائمة سلعه وتمكن من إنتاج الجبنة الشهيرة، والتي ارتبطت ببدايات قدوم تلك المنتجات إلى منطقة الخليج.
وإذا كانت علب الجبن الكرافت بعلبتها الزرقاء تشكل أحد أشهر المنتجات منذ أن سُوقت في الخليج فقد كان منتج جبنة الكاسات هي الأكثر تقديراً. ولسبب ما أوقفت الشركة الأم إنتاجها وصنّعت أنواعا متعددة منها جبن خالص في مرطبان. وأضافت لقائمة منتجاتها مادة للمسح (spread) لتوضع على قطعة الخبز. وبدا كما لو أن جبنة الكاسات القديمة قد اختفت من العالم.
وفي إحدى المرات وبينما كنت أتبضع في محل بشيكاغو لمحت الكاسات القديمة معروضة للبيع وتحتوي على ”جبنة إنكليزية“ (English Cheese). واقتنيت كأسا للتأكد فكان المحتوى هو هو: الجبنة القديمة إياها، أو هكذا تراءت لي بعد طول انقطاع. وسمعت بعدها أن شركة كرافت قررت إيقاف خط إنتاج الجبنة القديمة تلك ولم تعد عبوة الكاسات القديمة تظهر في المحل في شيكاغو. وقلت لنفسي أنه لربما تمكن مصنع البحرين من إعادة إنتاجها في مصنع الحد، فسيكون لذلك وقع كبير في نفوس مستهلكي تلك الجبنة في البحرين والخليج، وعنصر دعاية. ولا يُعرف على وجه التحديد إن كانت الجبنة القديمة قد طوى عليها الزمن، ولكنها تحتل مكانة في الذاكرة الجمعية والمذاق الخاص لسكان الخليج.
وبالطبع لا يبقى شيء على حال بما فيها الأغذية. ولكن شركاتها المنتجة لها تصنع بعض بضائعها أحيانا لفترة محدودة للمناسبات. فحين قدوم الكريسماس أو عيد الفصح تمتلئ الأسواق بمنتجات تقليدية لأسبوع أو أسبوعين وبعدها تعود المنتجات المعتادة في الأسواق. وتستعد المحلات الصغيرة ومحطات البترول وأسواق الأغذية للترويج لها وبيعها بأكبر كمية ممكنة. ولا أفضل من رمضان كتوقيت لتجربة الأمر!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق