هناك ربع مليون شركة «تستُّر» بالخليج، تخلق لكل وظيفة للمواطنين ست وظائف للأجانب.
++++++++++++++
بات مسؤولون خليجيون كثار يقتطفون بتصريحاتهم القول بأن السوق الخليجية تبلغ قيمتها تريليون دولار ويلفتون نظر مسؤولين بدول ورؤساء شركات ومدراء مصارف ونافذون بهيئات استثمار إلى هذه الحقيقة. وهم يحاولون بذلك التنويه بأمرين: الأول هو الإشارة إلى أن العالم وسط انبهاره بسوقي الصين والهند يكاد أن يغفل عن أن حجم السوق الخليجية تقترب من هذين السوقين الهائلين قيمة وحجما، وإن لم يكن بعدد المستهلكين. والثاني: وهو مرتبط بالأول ومعتمد عليه ويتمثل بمحاولة جذب استثمارات أجنبية إلى ذلك السوق. وحينما تتحدث أية دولة خليجية منفردة عن هذا الموضوع تحاول تسويق نفسها بأنها تصلح لتكون، بين الدول الست، المدخل الأفضل للسوق الخليجية المشتركة.
الكثير من دول العالم تحاول أن تسوق نفسها لجذب الاستثمارات من جانب، ولبث دماء بعروق اقتصادها من جانب آخر، وللاستفادة من العولمة بدل أن تنحى باللائمة على الأخيرة أو تكون ضحية لها.
وحينما نتخيل وننظر للصين بعد عقد من الآن فلا بد أن «صينية» هذا البلد المترامي الأطراف ستبقى وتتعمق، وكذا الحال مع «هندية» الهند. ولكن ليس الأمر نفسه مع دول الخليج: فمع كل مشروع يقام، ومع كل تطوير يحدث يخلق طلبان: طلب على العمالة المحلية وآخر على العمالة الأجنبية. وبحسب تقرير أعده شتيفين هغتوغ أستاذ كرسي الكويت بمعهد باريس للعلوم السياسية بتكليف من الغرف الأوروبية واتحاد غرف الخليج. فهناك ربع مليون شركة «تستُّر» بالخليج، تخلق لكل وظيفة للمواطنين ست وظائف للأجانب. وهذا بأقل تقدير، فتختل المعادلة بنحو مأساوي كلما كان السكان الأصليين أقل، وكان الطموح للتوسع الاقتصادي أكبر.
ويعرّف التقرير أحد التحديات التنفيذية والإدارية التي يتفرد بها الخليج _ على الأقل فيما يخص الحجم _ هو انتشار «الأعمال المغطاة»، أو المستترة بالعربية. وهي شركات تسجل باسم مواطن، ولكن يمولها ويديرها أجنبي. ويقتصر دور الوطني على جمع رسوم شهرية. وتنتشر ظاهرة التستر بشكل خاص بين الشركات الصغيرة والمتوسطة أكثر من الشركات الكبيرة (وأن لم تخل الأخيرة منها)، وتنتشر بشكل أكبر في بلدان مجلس التعاون ذات الدخل المرتفع والتي بها عدد سكان صغير. ولقد برزت للوجود بسبب أن قطاعات محددة ممنوعة على المستثمرين الأجانب، أو على الأقل تحتاج لمستويات استثمار تقل عمّا يمكن لصغار رجال الأعمال الأجانب أن يتحملوه.
وحيث أن ممارسة ذلك غير قانونية، فليست هناك إحصاءات رسمية حولها، بل يمكن الاستدلال عليها من تقديرات مستويات غير رسمية للبلدان، ويمكن أن يصل عدد مؤسسات أعمال "التستر" إلى 250 ألف مؤسسة، أو ربما أكثر بالمنطقة، أي ثلث شركات الخليج الصغيرة والمتوسطة. وهي تولد دخلا عالياً من الـ "رسوم" للمالكين الواجهة من المواطنيين. وتوجد قوانين وأنظمة مراقبة ضد الظاهرة، ولكنها شديدة الانتشار ليمكن القضاء عليها بفعالية. وفي بعض الأحيان، تقدمت الأعمال المتسترة زوراً حتى لطلب الحصول على الدعم، وحصلت عليه من برامج الدولة الرسمية التي تشترط دعم رجال المالكين الوطنيين.
مرّ التقرير دون أن يُلاحظ، ودون أن تحظى استنتاجاته بكبير اهتمام.
ويُقلق على نحو خاص قول التقرير أن انتشار تلك الظاهرة أوسع بكثير في المؤسسات المتوسطة والصغيرة منها في الكبيرة لأسباب عدة، ليس هذا المجال لذكرها. وتلك المؤسسات ينشؤها المواطنون عادة وتدعم الدول بروزها ونموها بهدف تحريك الاقتصاد، وتشجيع روح الأعمال في السوق، ولدعم تبلور قطاع خاص مستقل قادر على خلق وظائف للمواطنين. ولكن مثل كل شيء لا تقف الأمور عند الحدود التي نريد لها أن تقف عندها، فهناك قوانين اقتصادية صارمة وحقائق باردة تفرض نفسها. وبين تلك الأمور تنتصب مسائل مثل أن جل الوظائف التي يخلقها القطاع الخاص ليست هي التي يتجه إليها المواطنون لتكسب العيش منها. هم يتجهون للشركات الكبيرة والعامة منها على وجه الخصوص: فهي الأقرب للوظائف الحكومية، وهناك ضمان الديمومة والحقوق المحمية. ثم أن الأعمال بالشركات الصغيرة والمتوسطة بها الكثير من الجهد والعمل اليدوي، بل والكثيرمن الخبرات التي لا يمتلكها المواطنون، وإن امتلكوها، فهم ليسوا على استعداد لبيعها بسعر يتناسب مع القدرات المالية لمؤسسة صغيرة أو متوسطة. وبمسمى اقتصادي فهم يفقدون التنافسية أمام اليد العاملة الأجنبية التي توفر كفاءات مثل: المحاسب والمدير وعامل الكراج وتقني المعلومات وطباخ المطعم وسائق السيارة بأسعار تنافسية لا يمكن تجاهلها.
وباختصار، وبالعودة للموضوع الرئيس، فبينما يرتبط نماء الدول، وفي حالتنا هذه الصين والهند، بازدياد نسبة مشاركة شعبها بالعملية الاقتصادية، وبالتالي استمرار هويتها القومية، يحدث العكس بدول الخليج، حيث يرتبط التوسع الاقتصادي بطبيعته القائمة بخلق وظائف لعمالة أجنبية تفوق تلك التي يخلقها للعمالة الوطنية. وهذا أمر يتجاوز كل دعوات التوطين التي تقوم بها دول الخليج، كل بطريقته، ويتعارض وكل برامج تأهيل العمالة المحلية. ولا يعرف المرء ما إذا كان الأمر قد قارب على الخروج على السيطرة، وبات أمر تضاؤل الحضور الوطني في البلدن نفسها هو الاتجاه الحتمي لسير الأشياء، وانتظام الأمور.
وقديماً قال الخليجيون «ليس كل مدلقم جوزاً، وليس كل أبيض سكرا». وهكذا فليست كل نقطة تشابه مع الهند والصين، تعني تماثلاً في مؤديات الأعمال معهما. والله من وراء القصد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق