قبل ما يقرب الخمسة عشر سنة كنت في مسقط مدعواً من وزارة التجارة لإجراء بعض دورات. وضمن عرض معلومات كنت استمع لها بمقابلة، أخبرني أحد المسؤولين بأن اليابان كانت من أكثر الدول حماساً لقيام مجلس التعاون، بل وكانت تحض دول الخليج على التصرف كمجموعة، وبين ما تسوقه من مسوغات أن اليابان يسهل عليها التعامل مع الخليجيين إن توحدوا في تكتل اقتصادي.
وقبل أيام نشر تقرير مجموعة أكسفورد السنوي عن البحرين وبه مقابلة قصيرة ولكنها مكثفة مع وزير خارجية اليابان السابق كاتسويا أوكادا الذي عمل في منصبه لسنة واحدة بالتمام والكمال.
توزعت اهتمامات اليابان الخليجية من السياسة إلى الاقتصاد فالتعليم دون نسيان اللقاء الحضاري. في السياسة التفت الوزير الياباني إلى الدور الذي يلعبه مجلس التعاون في مسيرة السلام بالشرق الأوسط، مروراً بإعادة إعمار العراق ومساعدة أفغانستان وباكستان دون نسيان الدور الخليجي المميز والفعّال في الملف النووي الإيراني.
وأتى بالطبع النفط على رأس الأولويات اليابانية، ولكنه لم يكن الوحيد. بل يلتقط وزير الخارجية الياباني التوجه الخليجي نحو تنويع الاقتصاد ويورد كيف وجدت اليابان في ذلك فرصة للعثور على فرص مشتركة. فأسست بالسعودية المعهد العالي السعودي الياباني للسيارات والمعهد العالي للصناعات البلاستيكية والمعهد السعودي للإلكترونيات والأجهزة المنزلية.
ثم يتحدث عن الرحلات الجوية المتزايدة: فطيران الإمارات وقطر يقومان بسبع رحلات أسبوعية من دبي والدوحة لمطار كانساي، مع وجود خطط للتوسع لبدء رحلات لمطار ناريتا الذي يخدم طوكيو بالأساس. وهناك خطط لطيران الاتحاد لكي تسير رحلات لناريتا ومطار اليابان الأوسط لخدمة منطقة نجويا. ويرى وزير الخارجية الياباني بذلك فرصاً لتنمية الأعمال والسياحة بين التكتلين الاقتصاديين.
وبالنظر للاتجاه الدولي نحو تقليل الاعتماد على النفط الأحفوري، وهو اتجاه محسوس لدى الخليجيين، تستعد اليابان للتشارك مع الخليجيين في التحضير لمصادر الطاقة المقبلة.
ووسط انشغاله بالاقتصاد لا ينسى الوزير الياباني الثقافة واللقاء الحضاري فهو يدعو لتعميق فهم اليابان واليابانيين للخليجيين «كشعب مسلم وعربي». ولذلك فهو يشجع التفاهم المشترك والتوسيع لقنوات الاتصال المتمثلة في الحوار بين الحضارات ومنتدى الحوار العربي الياباني.
وفي التعليم يشير إلى أن السعودية أرسلت 250 طالباً إلى اليابان، وهناك اهتمام إماراتي وقطري بتبني نظم تعليمية يابانية. كما أدخلت الكويت برنامجاً تعليمياً يابانياً بيئياً موجهاً للاطفال ضمن مقررات مدارسها الحكومية.
ولكن يبقى الاقتصاد سيد الموقف لدى اليابان، وفي رده على السؤال المتعلق بالأسباب الكامنة وراء النجاح المنقطع النظير لأسواق الخليج في اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة اليابانية، يقول أوكادا أن السبب الأساس يعود إلى نجاح دول الخليج في استفادتها من فوائض عائدات النفط التي شهدت أسعاره ارتفاعاً فائقاً عام 2003 في تطوير بنيتها التحتية. وأشار بنحو خاص إلى تصرف دول الخليج الإيجابي إزاء أزمة 2008، حيث أنها واصلت التوسع بدل الركون إلى الانكماش، مما جعل فرص الاستثمارات بالخليج وافرة وجذابة، مما يزيد من تدفقات الاستثمار اليابانية.
وخلص إلى القول بأن اليابان تعمل على توقيع اتفاقية للتجارة الحرة مع الدول الخليجية بينما تتواصل مفاوضاتها لأجل عقد اتفاقيات اقتصادية ثنائية مع الدول الخليجية.
العلاقات الخليجية اليابانية لها كيميائها الخاص. فالسلع اليابانية وجدت سوقاً لها منذ بواكير الأيام حينما كانت صناعاتها أقل جودة وفي وضع تنافسي ضعيف إزاء المنتجات الأوروبية والأميركية، وترافقت مع صعودها ونموها إلى حد باتت هي تشكل المعايير وتضع أسس جديدة للتنافس. وليس لدى اليابان إرث استعماري في المنطقة العربية، وفتحت جامعاتها أقساماً للدراسات العربية والإسلامية. وكما يرى اليابانيون الفرص في مجلس التعاون، يتوجب أن يقلب الخليجيون الأمور لمعرفة الفرص المقابلة والاستفادة منها بكفاءة، واقتصاد.
في غابر الأيام أسهم اليابانيون في انهيار الاقتصاد الخليجي برمته حين طوروا اللؤلؤ الصناعي وطوّروا صناعته. وترافق ذلك الاكتشاف مع الأزمة العالمية الكبرى عام 1929. انهار اقتصاد بالخليج وقام اقتصاد. ومن محاسن الصدف أن يترافق عاملا الأزمة وزراعة اللؤلؤ الصناعي مع عامل ثالث، إيجابي الفعل والأثر. فإذ تهاوى اقتصاد قديم بعمر القرون بزغ فجر يوم جديد مع تفجر الثروة البترولية.
حينها لم تكن العولمة قد تبلورت وفرضت حضورها، ومع ذلك تركت التطورات في سواحل اليابان أثرها على سواحل الخليج. وكان ذلك بمثابة مؤشر مبكر على الترابط بين المنطقتين. واستمرت الأشياء لعقود ثمانية تغيرت فيها أمور على طرفي المحيط الهندي والهادئ الرابطين بين المنطقتين ولكن حتى الآن لم تدفع العلاقة بين البلدين إلى أقصى احتمالاتهما. ولربما كان اليابانيون هم الأسرع في رؤية الإمكانات المتاحة والاستعداد لها قبل الخليجيين. بالطبع يعود ذلك لأمور عدة من أهمها أن اليابان هي دولة واحة بينما مجلس التعاون تكتل إقليمي، ومنها أن الدولة الحديثة في اليابان أكثر تجذراً وتبلوراً من مثيلاتها الخليجيات. ولكن هذا لا يخفي خطوات إن جمعت معاً، وبلورت ضمن رؤية موحدة، برزت منها آفاق جديدة.
والخليج بحاجة إلى أصدقاء جدد، ورسم خريطة علاقات مختلفة لا تنسى التاريخ ولكن تعيش الحاضر وتستشرف المستقبل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق