ناقشت هذا الموضوع مرتين هذا الأسبوع مرة على هامش مؤتمر الاستثمار بالعراق المنعقد بالبحرين الأسبوع المنصرم ومرة أخرى مع وافد عربي يعمل بالبحرين.
بالمرة الأولى تحدثت مع إعلامي عربي رفيع يدير شركة لها مكاتب بثلاث عواصم عربية. كنا بصدد استعراض الوضع العراقي، ومصاعب الاستثمار ومخاوف الخليجيين من التواجد بالعراق، ومخاوفهم الأشد من الابتعاد عنه.
وسط النقاش برزت فكرة أن مجلس التعاون الخليجي يتمتع بميزتين عربيتين لم تكتبا لتجارب عربية أخرى: أولها نجاحه بتوحيد مجموعة عربية دون الإضرار بالاختلاف فيما بين أفرادها أو إلحاق أحد بأحد أو سطو أحد على أراضي أحد. والثانية أنه اقتصر عمله على الاقتصاد ولم يدع للسياسة أن تتدخل أو تؤثر على مسيرة الاقتصاد. وهكذا تحقق في ثلاثة عقود ما لم يتحقق بقرن من الزمان بتجارب عربية فكرية وتنظيمية وسياسية واقتصادية.
وليس بهذا تمسيح جوخ، ولا مدح مجاني، ولا دعوة للنفخ الذاتي. إنها محاولة تسطير حقيقة فقط لا أكثر ولا أقل ثم الانطلاق من تلك الحقيقة للاستفادة منها في الحياة العربية الراهنة وفي مستقبل الأيام. وعلى هذا جرى استعراض بعض هموم ومسائل، أولها مسألة العمالة التي يتصاعد الطلب عليها بدول المجلس، وسط نجاحات للدول الآسيوية، وتنامي تنافسية عمالتها إزاء تراجع حظوظ العمالة العربية للاستفادة من الازدهار الاقتصادي الخليجي المرشح للتنامي.
وجرت الإشارة إلى أن ما يدور من أحاديث عن انتقال العمالة العربية هو أحد عناصر نجاح مجلس التعاون. وفي حين انتكست محاولَتي نقل العمالة من مصر للعراق وليبيا، نجح انتقال العمالة العربية إلى منطقة الخليج دون قرارات سياسية أو أرضية فكرية أو إقحام قومي. وتزهو العواصم والمدن وحتى القرى الخليجية وأحيانا المواقع النائية بالجبال والصحاري بتواجد عربي بارز، لم ينل من الخصائص الثقافية ولا المميزات المتفردة للقادمين من كل بلد عربي. بل إن العواصم الخليجية فتحت الباب لمدارس عربية ينضوي ضمنها الطلبة الناشئين وسط عائلاتهم العاملة بالخليج. ولكن لا يمنع هذا من وجود شوائب لربما ينبغي التنبه لها.
فأقسام ليست بالقليلة من العمالة العربية تنتقل لمناطق الخليج وتحتفظ بنظرة إزاء سكانه ولمسؤوليه. يقابل ذلك نظرة تعاقدية مبسطة تجمع بين مجالات العمل بالخليج ورجال أعماله ومؤسسات الدولة من جانب والعمالة الوافدة بالجنسيات الأخرى من أميركان وأوروبيين وآسيويين. يقابل ذلك علاقة أخرى مع عمالة وافدة أجنبية حيث العلاقة علاقة عمل: فلا المُستخدِمين يبذلون معروفاً، ولا القادمين ناقلي تقدم لبلد متخلف. الطرفان مستفيدان وعلى قدم المساواة. وإن قبلا بالعقود، وحفظا الشروط تنتظم الأمور وتستقر العلاقة وتتطور بتطور الاقتصاد.
وأقسام ليست بالقليلة من العمالة العربية لم تحسم أمورها بهذا الشأن ولا زالت تحتفظ بكثير من الأفكار المسبقة، والنظرات النمطية عن الخليج. وإن وصلت الأمور إلى مأزق، وأوشكت الأشياء أن تنتكس في مطب، يحدث ما حدث بالكويت وتجد جاليات عربية نفسها في مآزق ليست محسوبة النتائج، ولا مرغوبة بمآلها ومنتهاها. وتبرز نظرات محلية متأججة يختلط فيها القلق بالنظرات الخاطئة، ومشاعر الخوف مقابل رؤى قد يكون بعضها غير واقعي أو قائم على أسس.
حاجة الخليجيين للعمالة الوافدة هي عامل اقتصادي لا نقاش حوله بالمدى القصير. وحسب محدثي الأول فإنه لو قرر الخليجيون أن ينزلوا كلهم إلى السوق ويتجاوزوا أعرافاً وعادات، وشمروا عن ساعد الجد وانغمسوا بالكدح لما لبّوا حاجات سوق العمل المتزايدة لديهم. وإن رغبوا في تأهيل أنفسهم وأولادهم عبر برامج تعليم وتأهيل وتدريب لاحتاجوا لسنين عديدة.
وبالطبع بكلامه الكثير من المنطق. وبين العمالة الآسيوية والعربية، فهناك تفضيل للعمالة العربية لنواح كثيرة. ولكن لتحقيق هذا المهمة، يتوجب حدوث تغيير من جانب عمال المصدر وهو تغيير بعض نظرات ثقافية وتحسين القدرة التنافسية إزاء الجاليات الآسيوية التي تمتلك من القدرات ما يهيئها للتناغم كفاءة وكلفة مع متطلبات أسواق الخليج.
وتشكل النقطة الأخيرة جوهر ما لحظه مؤتمر منظمة العمل العربية بانعقاده الأخير بالبحرين قبل بضعة شهور. حيث برز اتجاه لوضع مقاييس لاحتياجات دول الخليج، على أن تستجيب دول المصدر للعمال عبر عمليات تأهيل وإعداد الجامعات ومراكز التدريب ليحدث تناسب اقتصادي بحت بين العرض والطلب.
بهذا تمكن الاستفادة من مجلس التعاون الخليجي عربياً، ويذهب بعض قلق مبرر من الانفتاح الخليجي على العمالة الآسيوية. والحديث عن هذا القلق هو للنظر للتواجد الآسيوي الواسع بالخليج نظرة حضارية واقعية واقتصادية. فالخليجيين منفتحين على القارة الهندية قبل انفتاحهم على أغلبية الدول العربية، وحين بدأت التجارة العالمية وحين لم تكن هناك من دول متاجرة سوى ثلاث، كانت تلك الدول هي الهند والبحرين والعراق. ويعود ذلك بالتاريخ لخمسة آلاف سنة. نشأت حضارات وقامت دول وانهارت امبراطوريات ولكن العلاقات بين الهند ودول الخليج حافظت على انتظامها.
بالطبع الأمور تتغير. ودول الخليج نفسها تود أن تحتفظ بنسيج سكاني متوازن، قادر على الصمود بوجه التكتلات الاقتصادية وأحياناً بوجه بعض متغيرات سياسية ليست تأثيراتها بالهينة. وحتى الآن وقفت عوامل سياسية وثقافية بوجه الانفتاح الخليجي الكامل على العمالة العربية ولكي يحدث تعديل بذلك سيتوجب بحث مسائل قائمة بشكل صريح وشامل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق