ينقل عن السياسي البريطاني المعروف ونستون تشرتشل قوله أن من لا يتعلم من التاريخ، محكوم عليه إعادته. ويُعرف عن المدن-الدول باليونان القديمة أنها كانت أكثر بقاع الأرض بأيامها تقدماً وحضارة وازدهاراً اقتصادياً، وتركت بصمتها على الدنيا بأسرها. ولا يزال الناس يدرسون تركتها بالفلسفة والسياسة والاقتصاد والفن والأدب، وسيظل أفلاطون وأرسطو وهومير معلمين للإنسانية أبد الدهر.
ولكن تلك الدول انهارت وهي بأوج تقدمها وعظمتها، وكانت سوسة الخراب هي التنافس المميت بينها إلى حد التحارب القاتل. كانت تستجمع قواتها معاً بلحظات تاريخية معينة، ورغم تشاركها بمبادئ الديمقراطية وأسس النشاط التجاري الحر، إلا أن التنافس الفتّاك فيما بينها كان أحد مرتكزات حياتها اليومية. وهكذا سقطت تلك المدن-الدويلات أمام زحف فيليب المقدوني وابنه الإسكندر الأكبر للسيطرة عليها وانهائها من الوجود.
مجلس التعاون الخليجي أتى للوجود ليزيل قدراً كبيراً من الصراعات بين الدول الخليجية، وليؤسس لتجاوز تراث عربي بائس بالتنسيق والتعاون والوصول للوحدة. وشكّل قصة نجاح خاصة بالمقارنة مع تجارب وحدات عربية محبطة.
احتفظ مجلس التعاون على جانب ديمقراطي جيد منه: فهو لم يقض على استقلال أي من أطرافه. لم يشعر أحد من دوله الست، أنه مهدد ضمن التشكيلة المستمرة منذ ما يزيد على ربع قرن. والأمر كذلك حتى بالنسبة للإمارات السبع المكونة لاتحاد الإمارات العربية.
على أن تلك الكيانات فتحت الباب على مصراعيه للتنافس الاقتصادي فيما بينها. شهدت الخمسينيات من القرن المنصرم تنافساً غريباً فيما بين بعض الإمارات: فشاعت محاولة إصدار مجموعات طوابع لكل إمارة على حدة وبيعها للهواة، وكان ذلك ضمن حدود المقبول. تلى ذلك ظاهرة بيع الجوازات وهي أمر بقدر ما كان مهيناً كان مدمراً ولا تزال تعاني منه بعض المناطق.
ثم اشتعل التنافس الاقتصادي بين دول الخليج وبشكل يشير لمخاطر كثيرة.
فبعد القليل من التوجس والخيفة والتردد التي رافقت المحاولات المبكرة الأولى بعد السبعينيات لبعض إمارات أو دول الخليج لدخول عالم الازدهار الاقتصادي، تشجع الجميع وانفتح الباب بالكامل. ما كان جديداً بات عادياً، والطرق المالية والاستثمارية باتت معبدة، ووسط استكمال بعض إجراءات أمنية انهارت آخر الموانع.
ووسط الجري وراء التكتيك ضاعت الاستراتيجيا، وباتت الدول الخليجية تتنافس على من يحقق أكبر نمو اقتصادي دون النظر للنتائج. وتسابقت مصارف عالمية للترويج لحكايات التوسع الاقتصادي غير المسبوق، ومقاربة بعض مستوياته مع الهند وحتى الصين. ولم يكن ذلك التنافس سيئا كله ولا شراً بمجمله، بل كان به استجابة لمتطلبات العصر، والكثير من الديمقراطية، وقدراً كبيراً من الحيوية الاقتصادية. وبه أمر آخر لربما هو الأهم والدافع الأكبر وهو تحسين حال سكان عانوا لقرون من شظف العيش وقسوة الطبيعة.
ولكن هذا ليس كل شيء، فلا تحدث الأمور بجانب واحد ولا تبرز الظواهر وجهها الإيجابي فقط. هناك أمر التنافس المحموم بين تلك الدول الذي قد يصل إلى تجاوز حدود المحافظة على النفس، والاستمرار بعالم صعب، وتحقيق الموازنة بين الوصول لمستويات عالمية بالاقتصاد، وتحقيق الحد الأدنى من التعاون والتنسيق بين دول الخليج للمحافظة على الكيان الواحد.
المسألة الأبرز بمجال الموارد التي تمتلكها دول مجلس التعاون هي التشابه بكثير من الأمور. فعديد منها تنتج مقادير متنوعة من النفط أو الغاز وبات بعضها يشكل مراكز مالية وكلها تمتلك من فوائض العائدات ما يجعلها تقيم مشاريع وبنى تحتية مغرية بميزانياتها. وأضيف إلى ذلك المورد الجديد وهو تجارة العقارات وبشكل لم يسبق له مثيل. كل ذلك يضع أسساً للتنافس المضر بالجميع والذي يتجاوز خطوطاً مقبولة.
ووسط كل ذلك لا تزال الدعوات قائمة لمزيد من الصرف واستهداف مستويات أعلى من الازدهار الاقتصادي دون الحديث عن مخاطر ممكنة. والتقرير النصف السنوي للأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي والصادر قبل أيام مثال على ذلك.
فهو يحث الحكومات الخليجية لمواصلة برامج التحفيز الاقتصادي «لمساعدة القطاع الخاص على مواجهة التحديات الراهنة.» ورأى التقرير ألا تخفض الحكومات برامج الإنفاق الحالية لانخفاض متوقع بالإيرادات النفطية، بل على العكس «لا بد من اتباع سياسات معاكسة للدورة الاقتصادية من خلال زيادة الإنفاق بوقت ميل النشاط الاقتصادي نحو الانحسار.»
ثم يتوقع التقرير ارتفاع صافي التدفقات الاستثمارية لدول المجلس من 48 مليار دولار عام 2009 إلى 66.4 مليار دولار عام 2010 ثم إلى 81.3 مليار دولار عام 2011. وستأتي معظم التدفقات الاستثمارية من استثمارات الملكية الخاصة حيث يتوقع ان ترتفع من 50.7 مليار دولار عام 2009 إلى 55.9 مليار دولار عام 2010 ثم إلى 68 مليار دولار عام 2011. ويلاحظ التقرير أن معظم هذه الاستثمارات سيكون استثمارات مباشرة بقيمة 52.2 مليار دولار عام 2010 و61.5 مليار دولار عام 2011 في حين ان الاستثمارات عبر المحافظ الاستثمارية لن تتجاوز 3.7 مليار دولار عام 2010 و 6.4 مليار دولار عام 2011.
هذه بعض نماذج من تقرير رسمي، ولربما كان ما يحدث على الأرض أكثر تمثيلاً، وباعثاً على القلق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق