الاثنين، 1 أكتوبر 2012

هل يستفيد الخليجيون من تحرير أسواق الهند

تناقلت مجلتا الوول ستريت وفوربس والبي بي سي خبر أن السوق الهندية ستفتح أبوابها لشركات متاجرة بالتجزئة. ويأتي ذلك ضمن خطة انفتاح حكومية وتحرير للسوق من بقايا اقتصاد موجه تشبثت به الهند منذ الاستقلال عام 1947. وتورد البي بي سي أن السوق الهندية لم تكن في الحقيقة مغلقة تماماً أمام المؤسسات الأجنبية، فلقد افتتحت شركات تجزئة عابرة للقارات منذ زمن أفرعاً لها في شبه القارة الهندية، ولكن بشرط البيع لمؤسسات تبيع بدورها للجمهور. أما بعد التشريع الأخير فقد بات بمقدور شركات عالمية للأسواق مثل وولمارت وتِسكو أن تبيع مباشرة للجمهور.

اقتفت الهند منذ استقلالها خطين متوازيين: ديمقراطية غربية في السياسة وحمائية وتوجيه في الاقتصاد، يدفعها في منحاها الأخير آلام تجربة عاشتها مع المستعمر البريطاني ورأى فيها قادة هنود استغلالاً لهم. وأضيف لذلك تأثر زعماء هنود بأفكار اشتراكية معتدلة تعرف بالفابية انتشرت في بريطانيا مع مستهل القرن العشرين. ويصف الباحثان كيجلاما وباريك كيف اتجهت السياسة الهندية نحو حمائية اشتراكية، مع تأكيد واضح على رغبة متجذرة لاستبدال الواردات. ويعني هذا النهج أن تصنّع الهند ما يستهلكه الهنود من بضائع مستوردة. وامتد  التوجه للتصنيع  بإشراف الدولة، والتدخل الحكومي على مستويات أعمال مختلفة بما فيها الصغيرة وخاصة فيما يتعلق بالعمالة وأسواق المال. ونشأ بها قطاع عام كبير وتنظيم للأعمال، وتخطيط مركزي. ويستعيد الدارس سام ستانلي كيف أن الخطط الخمسية الهندية شابهت مثيلاتها في الاتحاد السوفييتي. وشهدت الخمسينيات ما يشبه التأميم لصناعات الصلب والتعدين وصناعة الآلات والمياه والاتصالات عن بعد والتأمين ومحطات توليد الكهرباء وصناعات أخرى. وأضيف إلى ذلك إجراءات تراخيص معقدة طبعت تأسيس الشركات في الأعوام 1947-1990.

وفي تعرضها للموضوع وصفت البي بي سي الحالة، بأنها وإلى ما قبيل إصلاحات أدخلت عام 1991، حاولت الحكومة أن تغلق الاقتصاد الهندي أمام الشركات الدولية. ولم تكن عملة الروبية الهندية قابلة للتحويل. وفُرضت تعرفات جمركية وضرورة الحصول على تراخيص استيراد مما أدى لما يشبه أن يكون منعاً لوصول البضائع الأجنبية إلى السوق. وأديرت الهند بنظام تخطيط مركزي للاقتصاد يتطلب تراخيص للاستثمار والتنمية.

ولجأت البيروقراطية الهندية لتدابير أوشكت أحياناً اشتراط الحصول على موافقة ما يقرب من 80 مؤسسة قبل حصول شركة ما على ترخيص للإنتاج. وتقرر الحكومة ما ينتج وكميته وأية مصادر للرأسمال ستستخدم. ومنعت شروط العمل الشركات من تسريح العمال أو إغلاق المصانع. وكان يستحث الحكومات الهندية المتعاقبة بالأساس سياسة استبدال الواردات السابقة الذكر.  وأدى ذلك بالهند إلى للاعتماد على مصادر داخلية لتحقيق التطور بدل التوجه للتجارة الدولية لتحقيق التراكم الداخلي.

وفي معرض وصفها للتطورات الأخيرة أوردت البي بي سي أن سلسلة شركات وولمارت العملاقة تأمل في افتتاح أول متاجرها في الهند في السنتين القادمتين. وجاء ذلك إثر إعلان الحكومة الهندية في الأسابيع الماضية عن خطط لفتح قطاع التجزئة أمام سلاسل متاجر الأسواق الضخمة. وأعربت السلطات أن الأمر يحتاج لإصلاحات لتنمية اقتصاد، يواجه تراجعاً مؤخراً.

ويمكن للشركات الخليجية أن تدرس هذا التطور، وأن تستفيد من سياسات الانفتاح الهندية تلك متسلحة بمميزات لها مقارنة بمنافسين عالميين آخرين. أولها أنها قريبة جغرافيا وتاريخياً وحضارياً من الهند. وثانياً أنه سبق لجاليات خليجية عديدة أن عاشت هناك في بداية القرن العشرين، وبالذات في مومباي، ومارست التجارة بها وحققت حضوراً بالسوق الهندية والحياة اليومية هناك. والأمر الثالث أن الهند وبوعيها للحضور الواسع للعمالة الهندية في دول مجلس التعاون تعنى كثيراً باستمرار أن تكون حصة تلك العمالة كبيرة وأن تعمل في شروط عمل مناسبة.

وفي العقود القليلة الماضية حققت دول الخليج تقدماً في صناعات رائدة مثل البتروكيماويات والاتصالات عن بعد، وفي مجال الخدمات كما هي الحال في إدارة الموانئ مثلاً. وهي متميزة بشكل خاص في الصيرفة الإسلامية، والهند تضم  بين جنباتها حسب مركز بي إي دبليو للأبحاث بواشنطن 177 مليون مسلم يشكلون ما يقرب من 15% من سكان البلد، ومايقارب 11% من مسلمي العالم. وتحتاج تلك المجموعة البشرية إلى خدمات مالية إسلامية من جهة ومصارف ومؤسسات تنتظم وشروط العمل ببلد التسويق. وهي بإمكانها أن تتقدم بعروض منافسة مغتنمة خبراتها الإقليمية، ومعرفتها بالسوق الهندي وتاريخ مديد علاقة تجارية واقتصادية مديدة.

وبقدر ما يتجه العالم نحو التكامل واقتصاداته نحو التداخل والتنافسية فإن أسواق العالم، غنيها كما صغيرها، باتت تتنافس على تدفق الرساميل إليها، وجعل بيئة الأعمال لديها جاذبة لمشاريع التنمية والاستثمار. وحين تباشر الهند في تحرير اقتصادها لا يتم ذلك بمعزل عن مراقبة نسب نمو اقتصادات منافسيها وعلى رأسهم الصين. فقد حافظ اقتصاد الأخيرة على نسبة نمو عالية رغم تراجعه في الربعين الأخيرين من العام الحالي من 9.5% إلى 7.6%. بينما حققت الهند معدل نمو يقارب 6.1% في السنوات الماضية مع انخفاضات حادة مفاجئة. ورغم بروز البلدين على رأس الدول بسرعة النمو إلا أن الهند في ذلك تأتي بعد الصين، وذلك بحسب موقع تريدنغ إكونميكس. على أن العلاقات الاقتصادية الخليجية الهندية لها حظوظ نجاح كبيرة.  ولدى الخليجيون الكثير مما يعرضونه في السوق، مترافقاً مع معرفة محلية مديدة ورساميل كبيرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق