شاركت الأسر المنتجة في معرض أقيم مؤخراً في فندق الخليج، ولفت نظري حضور طالبات بزيهن الرسمي ترافقهن مدرساتهن. وبهذا مؤشر جلي لتغير فلسفة المجتمع إزاء أمور عدة.
أولها: رغم أن البحرين ترتكز على تقاليد مديدة من مشاركة المرأة في العمل الاقتصادي وممارسة نسوة لمهن من بيوتهن وخارجها، إلا أن ذلك تم على أرضية بسيطة وضمن خيارات محدودة ضمن اقتصاد المجتمع. كانت هناك نسوة، من أسر في غاية التواضع، وهذا ليس معيباً بالمرة، يمارسن نشاطاً اقتصادياً صغيرا دون ارتباطه بأي مشاريع أعلى وأوسع، كالبيع أمام المدارس أو من البيوت. هناك الآن توجه مختلف: فالعمل من البيت ضمن الأسر المنتجة يراد به بالأساس نقل ذلك العمل من وجوده خارج دورة اقتصاد البلد إلى داخل تلك الدورة. وبذلك يمكن للجهد الحالي أن يواصل، إن أرادت صاحبته، من حيز محصور إلى اقتصاد متناهي الصغر ينتقل بعده لاقتصاد صغير فمتوسط وحتى كبير ومتوسع. وهذه رؤية تتحقق فعلياً.
ثانيا: يتعلق دور الدولة بمساعدة من تريد مساعدة نفسها من النسوة للارتباط والانتقال ضمن ذلك التسلسل. ليس هناك أي لبس في ذلك، والدولة تساعد لكي تفك الارتباط يوماً ما وليس لاستدامة العلاقة.
ثالثاً: أن هذه الفلسفة يراد بها تغيير علاقات وعادات سابقة. وأهمها إن المرء مسئول عن نفسه وليست الحكومة مسؤولة عنه، وأن كل امرء رجل كان أم امرأة هو رائد أعمال محتمل. وله بذلك ما له على المجتمع (ممثلاً بالدولة) وعليه ما عليه. ورابعاً: لا تبرئ تلك الممارسة الدولة العتيدة من واجباتها، ولا يعطيها صكوك غفران للدنيا والآخرة، وإنما يحدد العلاقة ويجلي الحدود فقط.
و بدأت أسر منتجة كثيرة تمارس ذلك وتعيشه يومياً، وتؤسس لنجاحات بها. وحققت نساء عديدات إنجازات فائقة والأسماء باتت معروفة. على أن الأمر يبدو مختلفاً حين تشترك طالبات في التجربة. فحين تأتين وبترتيب مدارسهن، ترتسم في الأفق إشارة: إن المجتمع يريد إعادة إنتاج نفسه، ويريد للجيل الجديد أن يتبنى قيماً مختلفة. وأهم تلك القيم هي التوقف عن التفكير في وظيفة حكومية مريحة ومنتظمة. وأن بالقطاع الخاص من الفرص الكثير وأحياناً أفضل ليغتنمها المرء ويؤسس حياته عليها.
هذا ما كانت الطالبات تتعلمنه بشكل مباشر أو غير مباشر من التجول بين أقسام المعرض، ومن نقاشات أدرنها مع نساء البحرين اللائي قدمن من مختلف الشرائح الاجتماعية والعائلات.
ومع انتظام مجيئهن سترقب الطالبات تطور بعض المشاريع وسيتعلمن من هذا الواقع بما يضيف الكثير إلى حصيلتهن. وربما احتلت تلك التجربة على وجه الخصوص أهمية متزايدة كونها احتكاك مباشر بواقع عملي يضيف إلى دراساتهن النظرية وربما يتجاوزها في الأهمية.
وبالمناسبة فإن مشروع «الأسر المنتجة» لا يقتصر على الإناث وإنما يضم رجالاً، وبما يفتح مجال التعلم للطلبة والطالبات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق